قال مكيٌّ : " ويجوز رفع " رحمة " على أن تجعل " ما " بمعنى الذي ، وتضمر " هُوَ " في الصلة وتحذفها ، كما قرئ : ﴿ تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنَ ﴾ [ الأنعام : 154 ]. فقوله : ويجوزُ يعني من حيث الصناعةِ ، وأما كونها قراءة ، فلا نحفظها.
قوله : ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ الفظاظةُ : الجفوة في المعاشرة قولاً وفعلاً ، قال الشَّاعرُ : [ البسيط ]
أخشَى فَظَاظَةَ عَمٍّ ، أوْ جَفَاءَ أخ... وَكُنْتُ أخْشَى عَلَيْهَا مِنْ أذَى الْكَلم
والغلظُ : كبر الإجرام ، ثم تجوز به في عدم الشفقة ، وكثرة القسوةِ في القلب.
قال الشاعرُ : [ البسيط ]
يُبْكَى عَلَيْنَا وَلاَ نَبْكِي عَلَى أحَدٍ... ونَحْنُ أغْلَظُ أكْبَاداً مِنَ الإبِلِ
وقال الراغبُ : الفَظَّ : هو الكريه الخُلُق ، وقال الواحديُّ : الفَظُّ : الغليظُ الجانبِ ، السيِّء الخُلُق وهو مستعارٌ من الفَظِّ ، وهو ماء الكرش ، وهو مكروه شُربه إلا في ضرورة.
وقال الراغبُ : الغَلِظ : ضد الرِّقَّةِ ، ويقال : غلظ بالكسر والضم وعن الغِلْظة تنشأ الفظاظة.
فإن قيل : إذا كانت الفظاظةُ تنشأُ عن الغلظة ، فلم قُدَِّمَتْ عَلِيْهَا ؟
فالجوابُ : قُدِّم ما هو ظاهر للحس على ما خافٍ في القلب ؛ لأن الفظاظة : الجفوة في العِشْرَة قولاً وفعلاً -كما تقدم- والغلظة : قساوة القلب ، وهذا أحسن من قول من جعلهما بمعنى ، وجمع بينهما تأكيداً. وأما الانفضاض والغضّ فهو تفرُّق الأجزاء وانتشارها. ومنه فضَّ ختم الكتاب ، ثم استُعِير منه انفضاض الناس ، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا ﴾ [ الجمعة : 11 ] ومنه يقال : لا يفضض اللهُ فاك.