تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن الخطيب : " يجوز أن تكون " مَا " استفهاماً للتعجب ، تقديره : فبأي رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وذلك ؛ لأن جنايتهم لما كانت عظيمة -ثم إنه ما أظهر -ألبتة- تغليظاً في القول ، ولا خشونة في الكلام -علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد ربانيٍّ وتسديدٍ إلهيٍّ فكان ذلك موضع التعجب ".

ورد عليه أبو حيّان بأنه لا يخلو إما أن يجعل " ما " مضافة إلى " رَحْمَةٍ " -وهو ظاهر تقديره- فيلزم إضافة " ما " الاستفهامية ، وقد نصوا على أنه لا يضاف من أسماء الاستفهام إلا " أي " اتفاقاً و" كم " عند الزَّجَّاج- وإما أن لا يجعلها مضافة ، فتكون " رَحْمَةٍ " بدلاً منها ، وحينئذٍ يلزم إعادة حرف الاستفهام في البدل ، كما قرره النحويون. ثم قال : " وهذا الرجلُ لاحظ المعنى ، ولم يلتفت إلى ما تقرر في علم النحو من أحكام الألفاظ ، وكان يغنيه عن هذا الارتباك ، والتسلق إلى ما لا يحسنه والتصوُّر عليه قول الزجاج -في " ما " هذه : إنها صلة ، فيها معنى التأكيدِ بإجماع النحويينَ.

وليس لقائل أن يقولَ : له أن يجعلها غير مضافةٍ ، ولا يجعل " رَحْمَةٍ " بدلاً - حالا يلزم إعادة حرف الاستفهام- بل يجعلها صفة ، لأن " ما " الاستفهامية لا توصف وكأن من يدعي فيها أنها غير مزيدة يفر من هذه العبارة في كلام الله تعالى ، وإليه ذهب أبو بكر الزبيديُّ ، فكان لا يُجَوِّزُ أن يقال -في القرآن- : هذا زائد أصلاً.

وهذا فيه نظرٌ ؛ لأن القائلين يكون هذا زائداً لا يَعْنون أنه يجوز سقوطه ، ولا أنه مُهْمَلٌ لا معنى له بل يقولون : زائد للتوكيدِ ، فله أسوةٌ بشائرِ ألفاظِ التوكيدِ الواقعة في القرآن. و" ما " كما تُزاد بين الباء ومجرورها ، تزاد أيضاً بين " من " و" عَنْ " والكاف ومجرورها.

جامع لطائف التفسير · الصفحة ٧٢٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ٧٢٩١