سبب نزول الآية الكريمة
قوله (وَقالوا كونوا هودَاً أَو نَصارى تَهتَدوا) قال ابن عباس : نزلت في رؤوس يهود المدينة : كعب بن الأشرف ، ومالك بن الصيف ، وأبي ياسر بن أخطب ، وفي نصارى أهل نجران ، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله تعالى من غيرها ، فقالت اليهود : نبينا موسى أفضل الأنبياء ، وكتابنا التوراة أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان ، وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن ، وقالت النصارى : نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان ، وكفرت بمحمد والقرآن. وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين : كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك ودعوهم إلى دينهم. أ هـ ﴿أسباب النزول للنيسابورى صـ 43﴾
قال الفخر :
اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل التي تقدمت صحة دين الإسلام حكى بعدها أنواعاً من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام.
الشبهة الأولى : حكى عنهم أنهم قالوا : ﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ﴾ ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة ، بل أصروا على التقليد ، فأجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه. الأول : ذكر جواباً إلزامياً وهو قوله : ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا﴾ وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم ، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد ، فكأنه سبحانه قال : إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر ، فقد قدمنا الدلائل ، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ وترك اليهودية والنصرانية أولى.
فإن قيل : أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ.