تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال القاضي : ثم سألني الملك في مجلس ثانٍ ، فقال : ما تقولون في المسيح عيسى بن مريم عليه السلام? قلت روح الله ، وكلمته ، وعبده ، ونبيه ، ورسوله. كمثل آدم خلقه من تراب ، ثم قال له : كن ، فيكون. وتلوت عليه النص. فقال : يا مسلم تقولون : المسيح عبد ، فقلت : نعم ، كذا نقول ، وبه ندين. قال : ولا تقولون إنه ابن الله? قلت : معاذ الله ، "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله" الآيتان ، إنكم لتقولون قولاً عظيماً. فإذا جعلتم المسيح ابن الله ، فمن أبوه وأخوه وجده وعم وخاله. وعددت عليه الأقارب ، فتحيّر وقال : يا مسلم ، العبد يخلق ، ويحيي ويميت ويبرئ الأكمه والأبرص? قلت : لا يقدر العبد على ذلك وإنما ذلك كله من فعل الله عز وجلّ. قال : وكيف يكون المسيح عبداً لله وخلقاً من خلقه ، وقد أتى بهذه الآيات ، وفعل ذلك كله? قلت : معاذ الله ما أحيى المسيح الموتى ولا أبرأ الأكمه والأبرص. فتحيّر وقلّ صبره ، وقال : يا مسلم ، تنكر هذا مع اشتهاره في الخلق ، وأخذ الناس له بالقبول? فقلت : ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة ، إن الأنبياء عليهم السلام ، يفعلون المعجزات من ذاتهم. وإنما هو شيء يفعله الله تعالى على أيديهم ، تصديقاً لهم ، يجري مجرى الشهادة. فقال : قد حضر عندي جماعة من أولاد نبيّكم ، وأهل دينكم المشهورين فيكم ، وقالوا ، إن ذلك في كتابكم. فقلت : أيها الملك ، في كتابنا أن ذلك كله بإذن الله ، وتلوت عليه منصوص القرآن في المسيح : "بإذن الله" وقلت : إنما فعل ذلك كله بإذن الله وحده لا شريك له ، لا من ذات المسيح. ولو كان المسيح يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص من ذاته ، لجاز أن يقال : موسى ، فلق البحر ، وأخرج يده بيضاء من غير سوء من ذاته. وليست معجزات الأنبياء عليهم السلام من ذاتهم وأفعالهم ، دون إرادة الخالق. فلما لم يجز هذا ، لم يجز أن تسند المعجزات التي ظهرت على يد المسيح إليه. فقال الملك : وسائر الأنبياء كلهم من آدم ، إلى من بعده كانوا يتضرّعون للمسيح ، حتى

جامع لطائف التفسير · الصفحة ٥٦٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ٥٦٠٨