تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة? وأنتم رأيتموها دون اليهود ، والمجوس والبراهمة ، وأهل الإلحاد ، وخاصة يونان جيرانكم ، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن ، وأنتم رأيتموها دون غيركم. فتحيّر الملك وقال بكلامه : سبحان الله ، وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني. وقال : نحن لا نطيقه. لأن صاحبه قال : ما في مملكتي مثله ، ولا للمسلمين في عصره مثله. فلم أشعر إذ جاؤوا برجل كالذئب أشقر الشعر مسبله ، فقعد ، وحكيت له المسألة فقال : الذي قاله المسلم لازم ، هو الحق لا أعرف له جواباً إلا ما ذكره. فقلت له : أتقول إن الكسوف إذا كان ، يراه جميع أهل الأرض أم يراه أهل الإقليم الذي بمحاذاته? قال : لا يراه إلا من كان في محاذاته. قلت : فما أنكرت من انشقاق القمر ، إذا كان في ناحية لا يراه إلا أهل تلك الناحية ، ومن تأهب للنظر له? فأما من أعرض عنه ، وكان في الأمكنة التي لا يرى القمر منها فلا يراه. فقال : هو كما قلت. ما يدفعك عنه دافع. وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه. وأما الطعن في غير هذا الوجه ، فليس بصحيح. فقال الملك : وكيف يطعن في النقلة? فقال النصراني : شبه هذا من الآيات ، إذا صح ، وجب أن ينقله الجم الغفير ، إلى الجم الغفير ، حتى يتصل بنا العلم الضروري به ، ولو كان كذلك ، لوقع إلينا العلم الضروري به. فلما لم يقع لنا العلم الضروري به ، دلّ أن الخبر مفتعل باطل. فالتفت الملك إليّ وقال : الجواب. قلت : يلزمه في نزول المائدة ، ما يلزمني في انشقاق القمر ، ويقال له لو كان نزول المائدة صحيحاً ، لوجب أن ينقله العدد الكثير ، فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا ثنوي إلا ويعلم هذا بالضرورة. ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة ، دلّ أن الخبر كذب. فبهت النصراني والملك ، ومن ضمه المجلس. وانفض المجلس على هذا يديه. ثم رفع رأسه ، ونصب ظهره. ثم أدار وجهه إلى الملك حينئذ ، فعجب من فطنته ، ووقعت له الهيبة في قلبه.

جامع لطائف التفسير · الصفحة ٥٦٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ٥٦٠٧