تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالوا : "فالقديم الأزلي خالق السموات والأرض هو الذي عاينه الناس بأبصارهم ، ولمسوه بأيديهم ، وهو الذي حبلت به مريم ، وخاطب الناس من بطنها حيث قال للأعمى : أنت مؤمن بالله ، قال الأعمى : ومن هو حتى أؤمن به ؟ ، قال : هو المخاطب لك ، ابن مريم ، فقال : آمنت بك وخر ساجداً" ، قالوا : "فالذي حبلت به مريم هو الله وابن الله وكلمة الله" ، وقالوا : "وهو الذي ولد ورضع وفطم ، وأخذ وصلب وصفع ، وكتفت يداه وسمر وبصق في وجهه ، ومات ودفن ، وذاق ألم الصلب والتسمير والقتل لأجل خلاص النصارى من خطاياهم". قالوا : "وليس المسيح عند طوائفنا الثلاثة بنبي ، ولا عبد صالح ، بل هو رب الأنبياء ، وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم ومؤيدهم ، ورب الملائكة ، قالوا : وليس مع أمه بمعنى الخلق والتدبير واللطف والمعونة ، فإنه لا يكون لها بذلك مزية على سائر الإناث ولا الحيوانات ، ولكنه معها بحبلها به واحتواء بطنها عليه ، فلهذا فارقت إناث جميع الحيوانات ، وفارق ابنها جميع الخلق ، فصار الله وابنه الذي نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته إلهاً واحداً ، ومسيحاً واحداً ، ورباً واحداً ، وخالقاً واحداً ، لا يقع بينهما فرق ، ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه ، لا في حبل ، ولا في ولادة ، ولا في حال نوم ، ولا مرض ، ولا صلب ، ولا موت ، ولا دفن ، بل هو متحد به في حال الحبل ، فهو في تلك الحال مسيح واحد ، وخالق واحد ، وإله واحد ، ورب واحد ، وفي حال الولادة كذلك ، وفي حال الصلب والموت كذلك ، قالوا : فمنا من يطلق في لفظه وعبارته حقيقة هذا المعنى فيقول : مريم حبلت بالإله ، وولدت الإله ، ومات الإله. ومنا من يمتنع من هذه العبارة لبشاعة لفظها ويعطي معناها وحقيقتها ، ويقول : مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة ، وولدت المسيح في الحقيقة ، وهي أم المسيح في الحقيقة ، والمسيح إله في الحقيقة ، ورب في الحقيقة ، وابن الله في الحقيقة ، وكلمة الله في الحقيقة ، لا ابن لله في الحقيقة سواه ، ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو.

جامع لطائف التفسير · الصفحة ٥٥٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ٥٥٧٠