تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والوجه الثاني : من النظم في هذه الآية أن للإنسان أياماً ثلاثة : الأمس والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر ، والبحث عنه يسمى بعلم الوسط ، والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب الثلاثة قال في آخر سورة هود ﴿وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ ﴾ [ هود : 123 ] وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، لا جرم ذكرها في هذه الآية ، وقوله ﴿وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض﴾ إشارة إلى كمال العلم ، وقوله ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ﴾ إشارة إلى كمال القدرة ، فهذا هو الإشارة إلى علم المبدأ ، وأما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به ، فله أيضاً مرتبتان : البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية ، وأما النهاية فقطع النظر عن الأسباب ، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب ، وذلك هو المسمى بالتوكل ، فذكر هذين المقامين ، فقال : ﴿فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [ هود : 123 ] وأما علم المعاد فهو قوله ﴿وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [ الأنعام : 132 ] أي فيومك غداً سيصل فيه نتائج أعمالك إليك ، فقد اشتملت هذه الآية على كمال ما يبحث عنه في هذه المراتب الثلاثة ، ونظيرها أيضاً قوله سبحانه وتعالى : ﴿سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [ الصافات : 180 ] وهو إشارة إلى علم المبدأ ، ثم قال : ﴿وسلام على المرسلين﴾ [ الصافات : 181 ] وهو إشارة إلى علم الوسط ، ثم قال : ﴿والحمد للَّهِ رَبّ العالمين﴾ [ الصافات : 182 ] وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة أهل الجنة ﴿وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين﴾ [ يونس : 100 ].

جامع لطائف التفسير · الصفحة ٤١٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ٤١٥٨