إذا عرفت هذا فنقول : تعريف هذه المراتب الثلاثة مذكور في آخر سورة البقرة ، فقوله ﴿آمنَ الرسول﴾ إلى قوله ﴿لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ﴾ إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ إشارة إلى علم الوسط ، وهو معرفة الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عالماً مشتغلاً بها ، ما دام يكون في هذه الحياة الدنيا ، وقوله ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير﴾ إشارة إلى علم المعاد ، والوقوف على هذه الأسرار ينور القلب ويجذبه من ضيق عالم الأجسام إلى فسحة عالم الأفلاك ، وأنوار بهجة السموات.
الوجه الثالث في النظم : أن المطالب قسمان أحدهما : البحث عن حقائق الموجودات والثاني : البحث عن أحكام الأفعال في الوجوب والجواز والحظر ، أما القسم الأول فمستفاد من العقل والثاني مستفاد من السمع والقسم الأول هو المراد بقوله ﴿والمؤمنون كُلٌّ ءَامَنَ بالله﴾ والقسم الثاني هو المراد بقوله ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 117 ـ 118﴾
فائدة
قال ابن عاشور :
وإنّما جيء بلفظ الماضي ، دون المضارع ، ليدلوا على رسوخ ذلك ؛ لأنّهم أرادوا إنشاء القبول والرضا ، وصيغ العقود ونحوها تقع بلفظ الماضي نحو بعْت. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ 3 صـ 134﴾
فصل
قال الفخر :
قال الواحدي رحمه الله قوله ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي سمعنا قوله وأطعنا أمره ، إلا أنه حذف المفعول ، لأن في الكلام دليلاً عليه من حيث مدحوا به.