وعليه فلا يجب على الشهود الحضور عند المتعاقدين ، وإنما على المتداينين أن يحضرا عند الشهود ؛ فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب فهذه الحالة التي يجوز أن تُراد بقوله تعالى : ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ لإثبات الشهادة فإذا ثبتت شهادتهم ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو بحضروهما عند الحاكم ، على ما يأتي.
وقال ابن عطية : والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب ؛ فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم ، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق فالمدعوّ مَنْدُوب ، وله أن يتَخَلَّف لأدنى عُذْر ، وإن تخلق لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له.
وإذا كانت الضرورة وخِيفَ تعطل الحق أدنى خوف قوِي النَّدب وقرب من الوجوب ، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها ، لا سيّما إن كانت مُحَصَّلة وكان الدعاء إلى أدائها ، فإن هذا الظرف آكد ؛ لأنها قِلادة في العُنق وأمانة تقتضي الأداء.
قلت : وقد يستلوح من هذه الآية دليلٌ على أن جائزاً للإمام أن يُقيم للناس شهوداً ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم ، فلا يكون لهم شغل إلاَّ تحمل حقوق الناس حفظاً لها ، وإن لم يكن ذلك ضاعت الحقوق وبَطَلت.
فيكون المعنى ولا يأب الشهداء إذا أخذوا حقوقهم أن يجيبوا. والله أعلم.
فإن قيل : هذه شهادة بالأُجرة ؛ قلنا : إنما هي شهادة خالصة من قوم استوفوا حقوقهم من بيت المال ، وذلك كأرزاق القضاة والوُلاة وجميع المصالح التي تَعِنَّ للمسلمين وهذا من جملتها. والله أعلم.
وقد قال تعالى : ﴿ والعاملين عَلَيْهَا ﴾ [ التوبة : 60 ] ففرض لهم. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 3 صـ 398 ـ 399﴾
وقال السمرقندى :
إباء الشهادة على ثلاثة أوجه :
أحدهما : أن يمتنع عن أدائه.
والثاني : أن يشهد ويقصر في أدائه ، لكيلا تقبل شهادته.