والثاني : أن الله تعالى قال : ﴿أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ﴾ ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش : قيل أعلم أن الله على كل شيء قدير ويؤكده قوله في قصة إبراهيم ﴿ربي أرني كيف تحيي الموتى﴾ [ البقرة : 260 ] ثم قال في آخرها ﴿واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [ البقرة : 260 ] قال القاضي : والقراءة الأولى وذلك لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به ، وهاهنا العلم حاصل بدليل قوله ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ فكان الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك غير جائز ،
أما الإخبار عن أنه حصل كان جائزاً. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 32 ـ 33﴾
قال القرطبى :
وقد رُوي أن الله جل ذكره أحيا بعضه ثم أراه كيف أحيا باقي جسده.
قال قَتادة : إنه جعل ينظر كيف يوصل بعض عظامه إلى بعض ؛ لأن أوّل ما خلق الله منه رأسه وقيل له : انظر ، فقال عند ذلك : "أعلم" بقطع الألف ، أي أعلم هذا.
وقال الطبري : المعنى في قوله "فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ" أي لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل عيانه قال : أعلم.
قال ابن عطية : وهذا خطأ ؛ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ ، وفسّر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف ، وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبلُ ينكره كما زعم الطبريّ ، بل هو قول بعثه الاعتبار ؛ كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئاً غريباً من قدرة الله تعالى : لا إله إلا الله ونحو هذا.
وقال أبو عليّ : معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته.
قلت : وقد ذكرنا هذا المعنى عن قتادة ، وكذلك قال مَكّيّ رحمه الله ، قال مَكّيّ : إنه أخبر عن نفسه عند ما عاين من قدرة الله تعالى في إحيائه الموتى ، فتيقّن ذلك بالمشاهدة ، فأقرّ أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير ، أي أعلم ( أنا ) هذا الضرب من العلم الذي لم أكن أعلمه على معاينة ؛ وهذا على قراءة من قرأ "أَعْلَمُ" بقطع الألف وهم الأكثر من القراء.