وقرأ حمزة والكسائي بوصل الألف ، ويحتمل وجهين : أحدهما قال له الملك : اعلم ، والآخر هو أن ينزِّل نفسه منزلة المخاطَب الأجنبي المنفصل ؛ فالمعنى فلما تبين له قال لنفسه : اعلمي يا نفس هذا العلم اليقين الذي لم تكوني تعلمين معاينة ؛ وأنشد أبو عليّ في مثل هذا المعنى :
ودّع هريرةَ إن الرّكب مُرتحِلُ . . .
ألم تغْتَمِضْ عيناك ليلةَ أَرْمَدا . . .
قال ابن عطية : وتأنّس أبو عليّ في هذا المعنى بقول الشاعر :
تذَكّر من أنَّى ومن أين شُرْبُه . . .
يُؤامِرُ نَفْسَيْه كذِي الهَجْمَة الأَبِل
قال مَكّيّ : ويبعد أن يكون ذلك أمراً من الله جلّ ذكره له بالعلم ؛ لأنه قد أظهر إليه قدرته ، وأراه أمراً أيقن صحته وأقرّ بالقدرة فلا معنى لأن يأمره الله بعلم ذلك ، بل هو يأمر نفسه بذلك وهو جائز حسَن.
وفي حرف عبد الله ما يدل على أنه أمرٌ من الله تعالى له بالعلم على معنى الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت ، وذلك أن في حرفه : قيل اعلم.
وأيضاً فإنه موافق لما قبله من الأمر في قوله : "انْظُرْ إلى طَعَامِكَ" و"انْظُرْ إلى حمارك" و"وَانْظُرْ إلى الْعِظَامِ" فكذلك و"واعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ" وقد كان ابن عباس يقرؤها "قيل أعلم" ويقول أهو خير أم إبراهيم ؟ إذ قيل له : "واعلم أن الله عزيز حكيم".
فهذا يبيّن أنه من قول الله سبحانه له لما عاين من الإحياء. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 3 صـ 296 ـ 297﴾