تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استئناف ابتدائي ناشِىء عن وصف الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً، فإنّ أولئك كانوا مظهرين الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان ثمّة طائفة تبطن الكفر وهم أهل النفاق، ولمّا كان التظاهر بالإيمان ثم تعقيبه بالكفر ضرباً من التهكّم بالإسلام وأهله، جيء في جزاء عملهم بوعيد مناسب لتهكّمهم بالمسلمين، فجاء به على طريقة التهكّم إذ قال: ﴿بشر المنافقين﴾، فإنّ البشارة هي الخبر بما يَفرحَ المخبَر به، وليس العذاب كذلك، وللعرب في التهكّم أساليب كقول شَقِيق ابن سُليك الأسدي:

أتاني من أبي أنَسسٍ وعيدٌ ...

فَسُلىّ لِغَيظَةِ الضّحّاككِ جِسمِي

وقول النابغة:

فإنّك سوف تَحْلُم أو تَناهَى ...

إذا ما شِبْت أو شَاب الغراب

وقول ابن زَيَّابة:

نُبِّئْتُ عَمْراً غارزاً رأسَه ...

في سِنَةٍ يُوعدِ أخْوَالَهُ

وتلكَ منه غير مأمُونَةٍ ...

أنْ يَفعل الشيءَ إذَا قالَهُ

(28/ 285)

ومجيء صفتهم بطريقة الموصول لإفادة تعليل استحقاقهم العذاب الأليم، أي لأنّهم اتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أي اتّخذوهم أولياء لأجل مضادّة المؤمنين.

والمراد بالكافرين مشركو مكة، أو أحْبار اليهود، لأنّه لم يْبق بالمدينة مشركون صُرحاءَ في وقت نزول هذه السورة، فليس إلاّ منافقون ويهود.

وجملة ﴿أيبتغون عندهم العزّة فإنّ العزّة لله﴾ استئنافٌ بياني باعتبار المعطوف وهو ﴿فإنّ العزّة لله﴾ وقوله: ﴿أيَبْتَغَون﴾ هو منشأ الاستئناف، وفي ذلك إيماء إلى أن المنافقين لم تكن موالاتهم للمشركين لأجل المماثلة في الدين والعقيدة، لأنّ معظم المنافقين من اليهود، بل اتّخذوهم ليعتزّوا بهم على المؤمنين، وإيماء إلى أنّ المنافقين شعروا بالضعف فطلبوا الاعتزاز، وفي ذلك نهاية التجهيل والذمّ.

جامع لطائف التفسير · الصفحة ١٢٠٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جامع لطائف التفسيرص ١٢٠٧٤