فالشحّ هو شحّ المال، وتعقيب قوله: ﴿والصلح خير﴾ بقوله: ﴿وأحضرت الأنفس﴾ على هذا الوجه بمنزلة قولهم بعد الأمر بما فيه مصلحة في موعظة أو نحوها: وما إخالك تفعل، لقصد التحريض.
ويجوز أن يكون المراد من الشحّ ما جبلت عليه النفوس: من المشاحّة، وعدم التساهل، وصعوبة الشكائم، فيكون المراد من الصلح صلح المال وغيره، فالمقصود من تعقيبه به تحذير الناس من أن يكونوا متلبّسين بهذه المشاحّة الحائلة دون المصالحة.
وتقدّم الكلام على البخل عند قوله تعالى: ﴿ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله﴾ في سورة آل عمران (180).
وقد اشتهر عند العرب ذمّ الشحّ بالمال، وذمّ من لا سماحة فيه، فكان هذا التعقيب تنفيراً من العوارض المانعة من السماحة والصلح، ولذلك ذيّل بقوله: ﴿وإن تحسنوا وتتّقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً﴾ لما فيه من الترغيب في الإحسان والتقوى. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ 4 صـ 268 ـ 269﴾
(28/ 123)
فصل
قال الفخر:
إنه تعالى ذكر أولاً قوله ﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا﴾ فقوله ﴿لاَّ جُنَاحَ﴾ يوهم أنه رخصة، والغاية فيه ارتفاع الإثم، فبيّن تعالى أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه ولا إثم فكذلك فيه خير عظيم ومنفعة كثيرة، فإنهما إذا تصالحا على شيء فذاك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض، أما قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح﴾ فأعلم أن الشح هو البخل، والمراد أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس اللازم لها، يعني أن النفوس مطبوعة على الشح، ثم يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها، ويحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها وكبر سنها وعدم حصول اللذة بمجانستها. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 11 صـ 53 ـ 54﴾