قوله: " يُعدُهُمْ وَيُمَنِّيهمْ "، قُرِئَ: " يَعدْهُمْ " بسُكون الدَّال تَخْفِيفاً؛ لتوالي الحَرَكات، ومَفْعُولُ الوَعْد مَحْذُوفٌ، أي: يعدُهُم البَاطِل أو السلامة والعافية
قوله " إِلاَّ غُرُوراً " يُحْتمل أن يكونَ مَفْعولاً ثانياً، وأن يكُون مفعولاً من أجْله، وأن يكون نعت مَصْدرٍ محذوفٍ، أي: وعْداً ذا غُرور، وأنْ يكونَ مَصْدراً على غير الصَّدْرِ؛ لأنَّ " يَعِدُهم " في قوة يَغُرُّهم بوعْدِهِ.
ف ﴿أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ " أولئك ": مبتدأ، و" مأواهم ": مبتدأ ثانٍ، و" جهنم ": خبر الثَّانِي، [والجُمْلَة خبر الأوَّل] وإنما قال: " مأواهُم جَهَنَّم "؛ لأن الغُرُور عِبَارة عن الحَالَةِ التي يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهَا، ويَحْصُل النَّدَم عند انْكِشَاف الحَالِ فيها، والاستِغَراق في طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، وفي مَعَاصِي الله - تعالى -، وإن كان في الحَالِ لَذِيذٌ، إلا أن عَاقِبَتَهُ جَهَنَّم، وسُخْطُ الله [- تعالى -]، وهذا معنى الغُرُور.
قوله ﴿وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾، فقوله " عَنْهَا ": يجُوز أن يَتعلَّق بِمَحْذُوف:
إمَّا على الحَالِ من " مَحِيصاً " لأنَّه في الأصْلِ صِفَةٌ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التَّبْيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحْذُوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى بـ " عَنْ " ولا بـ " مَحِيصاً "، وإنْ كان المَعْنَى عليه لأنَّ المَصْدَر لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يَجوِّزُ ذلك، يُجَوِّزُ تعلُّق " عن " به، والمَحِيصُ: اسمُ مَصْدر من حَاصَ يَحِيص: إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه: [الطويل]
وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ...
كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمَدَى مُتَطَاوِلُ
(27/ 419)