وقرأ أبو عمرو فِيما نَقَل عنه ابْن عَطِيَّة: " ولامُرَنَّهم " بغيرِ ألفٍ، وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجُوز ألاَّ يُقَدَّر شَيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القَصْدَ: الإخْبَارُ بوقوعِ هذه الأفْعَال من غيرِ نَظَرٍ إلى مُتعلَّقاتِها، نحو: ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ [الطور: 19].
قوله: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام﴾ أي: يَقْطَعُونها، ويَشقُّونها، وهي البَحِيرة، والبتكُ: القَطْعُ والشّقُّ، والبِتْكَة: القطعة من الشيء، جَمْعُها: بِتَك، قال: [البسيط]
حَتَّى إذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الغُلاَمِ لَهَا ...
طَارَتْ وَفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ
ومعنى ذلك: أنَّ الجاهليَّة كانوا يَشُقُّون أذُن النَّاقَة إذا ولدت خَمْسَة أبْطُن، آخرُها ذَكَر، وحرَّمُوا على أنْفُسِهِم الانتفاع بها، وقال آخرون: كانوا يَقْطَعُون آذَان الأنْعَام نُسُكاً في عِبَادَة الأوْثَان، ويَظُنُّون أنَّ ذلك عِبَادة، مع أنَّه في نفسه كُفْرٌ وفِسْقٌ.
فصل
قال أبُو العبَّاس المُقْرِي: ورد لَفْظُ الخُسْرَان [قي القرآن] على أربَعَة أوْجُه:
الأوَّل: بمعنى الضَّلالة؛ كهذه الآيَة.
الثَّاني: بمعنى العَجْز؛ قال - تعالى -: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: 14] أي: عَاجِزُون ومثله: ﴿لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 90].
الثَّالث: بمعنى الغَبْن؛ قال - تعالى -: ﴿الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: 103] أي: غبنوا أنْفُسَهم.
الرابع: بمعنى: المُخسِرُون؛ قال - تعالى -: ﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هُوَ الخسران [المبين]﴾ [الحج: 11].
(27/ 418)