وقال أحمد: إذا جمع المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر، وإن زاد على ذلك أتم، وبه قال داود.
والصحيح ما قاله مالك، لحديث ابن الحَضْرَميّ: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام ثم يُصدر.
أخرجه الطحاوي وابن ماجه وغيرهما.
ومعلوم أن الهجرة إذْ كانت مفروضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز؛ فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه وتهيئة أسبابه، ولم يحكم لها بحكم المقام ولا في حيّز الإقامة، وأبقى عليه فيها حكم المسافر، ومنعه من مقام الرابع، فحكم له بحكم الحاضر القاطن؛ فكان ذلك أصلاً معتمَداً عليه.
(26/ 386)
ومثله ما فعله عمر رضي الله عنه حين أجلى اليهود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجعل لهم مقام ثلاثة أيام في قضاء أُمورهم.
قال ابن العربيّ: وسمعت بعض أحبار المالكية يقول: إنما كانت الثلاثة الأيام خارجة عن حكم الإقامة؛ لأن الله تعالى أرجأ فيها من أنزل به العذاب وتيقّن الخروج عن الدنيا؛ فقال تعالى: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65].
وفي المسألة قول غير هذه الأقوال، وهو أن المسافر يقصر أبداً حتى يرجع إلى وطنه، أو ينزل وطناً له.
روي عن أنس أنه أقام سنتين بنَيْسابور يقصر الصلاة.
وقال أبو مِجلز: قلت لابن عمر: إني آتي المدينةَ فأُقيم بها السبعة أشهر والثمانية طالباً حاجة؛ فقال: صلّ ركعتين.
وقال أبو إسحاق السّبِيعي: أقمنا بسجِستان ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود سنتين نُصلّي ركعتين.