وأقام ابن عمر بأَذْربِيجان يصلّي ركعتين ركعتين؛ وكان الثلج حال بينهم وبين القُفُول: قال أبو عمر: محمل هذه الأحاديث عندنا على أن لا نية لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المدّة؛ وإنما مثل ذلك أن يقول: أخرج اليوم، أخرج غداً؛ وإذا كان هكذا فلا عزيمة هاهنا على الإقامة. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 5 صـ 353 ـ 358﴾. بتصرف يسير.
فصل
قال الفخر:
زعم داود وأهل الظاهر أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف.
واحتجوا بأنه تعالى أثبت هذا الحكم مشروطاً بالخوف، وهو قوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ﴾ والمشروط بالشيء عدم عند عدم ذلك الشرط، فوجب أن لا يحصل جواز القصر عند الأمن.
قالوا: ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر من أخبار الآحاد، لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز، ولقد صعب هذا الكلام على قوله ذكروا فيه وجوهاً متكلفة في الآية ليتخلصوا عن هذا الكلام.
(26/ 387)
وعندي أنه ليس في هذا غموض، وذلك لأنا بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: 31] أن كلمة (إن) وكلمة (إذا) يفيدان أن عند حصول الشرط يحصل المشروط، ولا يفيدان أن عند عدم الشرط يلزم عدم المشروط، واستدللنا على صحة هذا الكلام بآيات كثيرة، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ يقتضي أن عند حصول الخوف تحصل الرخصة، ويقتضي أن عند عدم الخوف لا تحصل الرخصة، وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن بالنفي وبالإثبات، وإثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتاً لحكم سكت عنه القرآن بخبر الواحد، وذلك غير ممتنع، إنما الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دلّ عليه القرآن، ونحن لا نقول به.