وقد دلّت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية، وهي بثّ الثقة والأمان بين أفراد الأمّة، وطرح ما من شأنه إدخال الشكّ لأنّه إذا فتح هذا الباب عسر سَدّه، وكما يتّهم المتّهمُ غيرَه فللغير أن يتّهم مَن اتّهمه، وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق، إذ قد أصبحت التهمة تُظلّ الصادق والمنافق، وانظر معاملة النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة المسلمين.
(26/ 243)
على أنّ هذا الدين سريع السريان في القلوب فيكتفي أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة، إذ لا يلبثون أن يألفوه، وتخالط بشاشتُه قلوبَهم، فهم يقتحمونه على شكّ وتردّد فيصير إيماناً راسخاً، وممّا يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين بهم.
ومن أجل ذلك أعاد الله الأمرَ فقال: ﴿فتبَيّنوا﴾ تأكيداً ل (تبينّوا) المذكورِ قبْله، وذيَّله بقوله: ﴿إنّ الله كان بما تعملون خبيراً﴾ وهو يجمع وعيداً ووعداً. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ 4 صـ 226 ـ 227﴾
فائدة
قال القرطبى:
استدل بهذه الآية من قال: إن الإيمان هو القول لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ ألقى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً﴾.
قالوا: ولما مُنِع أن يقال لمن قال لا إله إلا الله لست مؤمنا منع من قتلهم بمجرد القول.
ولولا الإيمان الذي هو هذا القول لم يعب قولهم.
قلنا: إنما شك القوم في حالة أن يكون هذا القول منه تعوّذا فقتلوه.