والله لم يجعل لعباده غير الحكم بالظاهر؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " وليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط؛ ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين حسب ما تقدّم في "البقرة" وقد كشف البيان في هذا قوله عليه السلام: " أفلا شققت عن قلبه "؟ فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره، وأن حقيقته التصديق بالقلب، ولكن ليس للعبد طريق إليه إلا ما سمع منه فقط.
واستدل بهذا أيضاً من قال: إن الزندِيق تقبل توبته إذا أظهر الإسلام؛ قال: لأن الله تعالى لم يفرّق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام.
وقد مضى القول في هذا في أوّل البقرة.
وفيها ردّ على القدرية، فإن الله تعالى أخبر أنه منّ على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصهم بالتوفيق، والقدرية تقول: خلقهم كلهم للإيمان.
(26/ 244)
ولو كان كما زعموا لما كان لاختصاص المؤمنين بالمِنَّة من بين الخلق معنى. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 5 صـ 340 ـ 341﴾.
قوله تعالى ﴿إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾
قال الفخر:
المراد منه الوعيد والزجر عن الإظهار بخلاف الإضمار. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 11 صـ 6﴾
وقال القرطبى:
﴿إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ تحذير عن مخالفة أمر الله؛ أي احفظوا أنفسكم وجنبوها الزلل الموبِق لكم. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 5 صـ 341﴾.
من فوائد السعدى فى الآية
قال عليه الرحمة:
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
تقدم أن الله أخبر أنه لا يصدر قتل المؤمن من المؤمن، وأن القتل من الكفر العملي، وذكر هنا وعيد القاتل عمدا، وعيدا ترجف له القلوب وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول.