لقائل أن يقول: ذلك الذي أمر الله تعالى بالحذر عنه إن كان مقتضى الوجود لم ينفع الحذر، وإن كان مقتضى العدم لا حاجة إلى الحذر، فعلى التقديرين الأمر بالحذر عبث وعنه عليه الصلاة والسلام قال: " المقدور كائن والهم فضل " وقيل أيضا: الحذر لا يغني من القدر فنقول: إن صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع، فإنه يقال: إن كان الإنسان من أهل السعادة في قضاء الله وقدره فلا حاجة إلى الإيمان، وإن كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الإيمان والطاعة، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية، والتحقيق في الجواب أنه لما كان الكل بقدر كان الأمر بالحذر أيضا داخلا في القدر، فكان قول القائل: أي فائدة في الحذر كلاما متناقضا، لأنه لما كان هذا الحذر مقدرا فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 10 صـ 141﴾
فصل
قال القرطبى:
والحذر لا يدفع القدر خلافا للقدرية في قولهم: إن الحذر يدفع ويمنع من مكائد الأعداء، ولو لم يكن كذلك ما كان لأمرهم بالحذر معنى.
(24/ 365)
فيقال لهم: ليس في الآية دليل على أن الحذر ينفع من القدر شيئاً، ولكنا تُعبِّدنا بألاَّ نُلْقي بأيدينا إلى التهلكة؛ ومنه الحديث: " اعقِلْها وتوكّل " وإن كان القدر جاريا على ما قضى، ويفعل الله ما يشاء؛ فالمراد منه طمأنينة النفس، لا أنّ ذلك ينفع من القدر وكذلك أخذ الحذر.
والدليل على ذلك أن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيّه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا﴾ [التوبة: 51] فلو كان يصيبهم غير ما قضى عليهم لم يكن لهذا الكلام معنى. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 5 صـ 274﴾. بتصرف يسير.
فصل
قال الفخر: