ولما كان سبحانه وتعالى قد خلق للإنسان عقلاً يحمله على التيقظ والتحرز من الخوف، فكان كالآلة له، وكان - لما عنده من السهو والنسيان في غالب الأوقات - مهملاً له، فكان كأنه قد ترك آلة كانت منه؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿خذوا حذركم﴾ أي من الأعداء الذين ذكرتهم لكم وحذرتكم منهم: المشاققين منهم والمنافقين ﴿فانفروا﴾ أي اخرجوا تصديقاً لما ادعيتم إلى جهادهم مسرعين ﴿ثبات﴾ أي جماعات متفرقين سرية في إثر سرية.
(24/ 363)
لا تملوا ذلك أصلاً ﴿أو انفروا جميعاً﴾ أي عسكراً واحداً، ولا تخاذلوا تهلكوا، فكأنه قال: خففت عنكم قتل الأنفس على الصفة التي كتبتها على من قبلكم، ولم آمركم إلا بما تألفونه وتتمادحون به فيما بينكم وتذمون تاركه، من موارد القتال الذي هو مناهج الأبطال، ومشارع فحول الرجال، وجعلت للباقي منكم المحبوبين من الظفر وحل المغنم، وللماضي أحب المحبوب، وهو الدرجة التي ما بعدها إلا درجة النبوة، مع أنه لم ينقص من أجله شيء، ولو لم يقتل في ذلك السبيل المرضى لقتل في غيره في ذلك الوقت. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ 2 صـ 278﴾
فصل
قال القرطبى:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمرٌ لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الشرَع.
ووجه النظم والاتصال بما قبلُ أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله، أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته، وأمرهم ألاّ يقتحموا على عدوّهم على جهالة حتى يتحسّسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يرِدُون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ فعلّمهم مباشرة الحروب.
ولا ينافي هذا التوكُّلَ بل هو مقام عين التوكل كما تقدّم في "آل عمران" ويأتي. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ 5 صـ 273﴾.
فصل
قال الفخر: