والمنع وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده, فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق, وجعل من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا- فضلا من غيره- تشبيها لمن له الأمر كله, فأزمة الأمور كلها بيديه, ومرجعها إليه, فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن, لا مانع لما أعطى, ولا معطى لما منع, بل إذ فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد, وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد.
فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات, بالقادر الغني بالذات.
(23/ 362)
ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه, الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده, والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة, وغاية الذل مع غاية الحب, كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده, ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره, فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا ند له, وذلك أقبح التشبيه وأبطله. ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره, مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب, مع غاية الذل, هذا تمام العبودية, وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين, فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه. وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع, وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل, ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم, وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها, ومضى على الفطرة الأولى من
سبقت له من الله الحسنى, فأرسل إليهم رسله, وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم فازدادوا بذلك نورا على نور ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ,