فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأي حكم أشد جورا منه؟ حيث عدل من لا عدل له بخلقه, كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فعدل المشرك من خلق السموات والأرض, وجعل الظلمات والنور, بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض, فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه.
فصل
ومن الشرك به سبحانه الشرك به في اللفظ, كالحلف بغيره, كما رواه أحمد وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك"وصححه الحاكم وابن حبان.
(23/ 360)
ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت, كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: له رجل: "ما شاء الله وشئت, قال: أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده"وهذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة كقوله ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك, وأنا في حسب الله وحسبك, وما لي إلاّ الله وأنت, وهذا من الله ومنك, وهذا من بركات الله وبركاتك, والله لي في السماء وأنت لي في الأرض, أو يقول: والله وحياة فلان, أو يقول: نذرا لله ولفلان, وأنا تائب لله ولفلان, أو أرجوا الله وفلانا, ونحو ذلك؟.
فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت, ثم انظر أيهما أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى لجواب النبي صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة, وأنه إذا كان قد جعل لله ندا فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الأشياء- بل لعله أن يكون من أعدائه- ندا لرب العالمين, فالسجود والعبادة, والتوكل, والإنابة, والتقوى, والخشية, والحسب, والتوبة, والنذر, والحلف, والتسبيح, والتكبير, والتهليل, والتحميد,