فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق, وحرم الله الجنة على كل مشرك, وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم, لما تركوا القيام بعبوديته, وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا, أو يقبل فيه شفاعة, أو يستجيب له في الآخرة دعوة, أو يقبل فيها عثرة, فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله, حيث جعل له من خلقه ندا, وذلك غاية الجهل به, كما أنه غاية الظلم منه, وإن كان المشرك لم يظلم ربه, وإنما ظلم نفسه.
فصل:
ووقعت مسألة, وهي: أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى أو أنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلاّ بالوسائط والشفعاء, كحال الملوك, فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية, وإنما قصد تعظيمه, وقال: إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه وتدخلني عليه, فهو المقصود, وهذه وسائل وشفعاء, فلم كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى, ومخلدا في النار, وموجبا لسفك دماء أصحابه, واستباحة حريمهم وأموالهم؟.
(23/ 355)
وترتب على هذا سؤال آخر, وهو: أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط, فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع, أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة؟ بل جاءت الشرائع بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح؟ وما السبب في كونه لا يغفره من دون سائر الذنوب؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
فتأمل هذا السؤال, واجمع قلبك جوابه ولا تستهونه, فإن به يحصل الفرق بين المشركين والموحدين, والعالمين بالله والجاهلين به, وأهل الجنة وأهل النار.