وفي كل ما شهد الله به في القرآن في شأن عيسى بن مريم -عليه السلام- تكذيب وإبطال لعقيدة النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله، والذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم.
لا يوجد عقل سليم يؤمن بالنصرانية:
عقيدة التثليث التي اخترعها النصارى وضاهئوا بها قول بعض الوثنيين قبل المسيح -عليه السلام- لا يوجد عقل سليم يؤمن بها، فهي تنافي وتضاد العقل كل المنافاة، ومن هذا التضاد، ومصادمة العقل ما يأتي:
أ- جعل الإله الذي هو محل العزة، والكبرياء، والرفعة، والذي هو أهل للمجد، والتقديس والتنزيه، محلاً للذلة، والمهانة، والعجز والنقص، وهذا غاية الفساد والتناقض.
فالرب المعبود خالق السماوات والأرض القادر على كل شيء، والمحيط علماً بكل صغير وكبير، لا بد وأن يكون منزهاً عن كل عيب ونقص، لأنه لو كان ناقصاً لما استحق أن يكون إلهاً معظماً، مسجوداً له، تخافه الخلائق، وتمتثل أمره، وتهابه وتعظمه وتقدسه.
وهؤلاء النصارى جعلوا إلههم الذي يعبدونه بحال من الذل، والمهانة، والعجز، والفقر بحيث أنه يستدر رحمة الناس عليه، وإحسانهم إليه، وبكاءهم من أجل مصائبه ورزاياه، وإشفاقهم، من أجل آلامه .. وهذا الإله الذي يستحق من البشر كل ذلك يثير رثاءهم له، وعطفهم عليه، ولا يثير فيهم الانكسار إليه وطلب إحسانه، والخوف من عقوبته وامتثال أمره ..
فعيسى -عليه السلام- الذي جعله النصارى إلهاً وعبدوه قد صوره النصارى بغاية الذل والهوان والعجز والفقر، فعندهم أن المسيح -عليه السلام- لما حملت به أمه مريم، وكانت في ذلك الوقت مخطوبة ليوسف النجار فأراد أن يتركها، فرأى في النوم رؤيا تمنعه من ذلك، وتأمره أن يأخذها إلى بيت لحم لتلد هناك حيث يقيد اسمه في الإحصاء العام الذي أمر به الرومان، وأن يوسف ومريم نزلا في خان في الطريق، ولما كانا فقيرين فإنهما لم يجد لهما مأوى إلا مكان الدواب، وأن أم عيسى لما ولدته قمطته، ووضعته في مزود البقر .. وأن يوسف عاد بهما إلى الناصرة، ثم فر بهما إلى مصر خوفاً من (هيردوس) الذي كان ينوي قتل عيسى -عليه السلام-، ونزلوا هناك بمكان في مصر يسمى (المطرية) ثم عادوا بعد مدة إلى الناصرة إلى أن بلغ عيسى ثلاثين سنة، عمده (يوحنا المعمدان) في نهر الأردن، وأن عيسى -عليه السلام- صام بعد ذلك أربعين يوماً ثم شرع يدعو ويبشر بقيامة الأموات، فجاءه الشيطان ليجربه وقال له: اسجد لي وأنا أعطيك ممالك الأرض كلها، فقال له عيسى: (اذهب يا شيطان فقد كتب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد) (إنجيل متّى 4/ 11). وأنه بعد ذلك بدأ خدمته ومواعظه في أنحاء الجليل، وأورشليم، فتآمر