الباب الرابع
الأدلة على بطلان وفساد دين النصرانية
عرفنا في الأبواب السابقة أن عيسى -عليه السلام- قد جاء بالدعوة إلى توحيد الله وعبادته، شأنه في ذلك شأن جميع الرسل الذين سبقوه، وأنه جاء مبشراً برسول يأتي من بعده، وهذا الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي دعا إلى ما دعا إليه عيسى -عليه السلام-، وجميع الرسل الذين سبقوه، وبهذا يتبين أن جميع الرسل كانت دعوتهم واحدة، وأنهم دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وعرفنا أن أصحاب عيسى -عليه السلام- والجمع العظيم من أتباعه كانوا على الدين الصحيح والتوحيد، وأن التبديل جاء بعد ذلك، وقد بدأ شاول اليهودي الذي تسمى ببولس، وادعى أنه رسول من عند المسيح الذي جاءه في النوم وأمره أن يدعو إلى النصرانية فذهب يدعو إلى دين مبتدع جديد مدعياً أن عيسى -عليه السلام- هو ابن الله لذاته، وأنه جزء من الله، وأن جوهره من جوهر أبيه، وأنه إله كامل .. ثم أبطل الشريعة التي عمل بها عيسى وأمر بها، وكان هذا الدين المحرف هو الدين الذي أخذت به القياصرة، وفرضه الرومان، الذين أدخلوا النصارى في وثنيتهم، وعبادتهم للآلهة المتعددة، والتماثيل، ولم يدخل الرومان في دين المسيح والنصرانية الحقة، أعني أنهم لم يتنصروا ولكن النصارى هم الذين تروموا، وذلك لقهر السلطان وملاحقة الموحدين .. ومن ثم اندراس الدين الحق شيئاً فشيئاً، وبقاء الدين الباطل الذي اعتنق هذه العقائد الوثنية فقال بألوهية المسيح، وأنه إله حق من إله حق، وأنه إنسان كامل، وأن روح القدس إله مع الله، فهؤلاء الثلاثة هم الإله -في زعمهم- تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأن كل واحد منهم يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويعذب ويرحم، ويغفر الذنوب، ويدعى، ويسجد له ..
وأن كل من ادعى حسب رؤية فردية رآها أنه رأى المسيح وأنه أرسله للدعوة، كان يبدأ بعد ذلك في دعوة النصارى وابتداع ما يشاء من الدين، وبذلك تعدد الرسل الذين بعثوا أنفسهم رسلاً من قبل المسيح بادعاء رؤيته في النوم .. وذلك منذ أن رفع الله المسيح إليه وإلى اليوم ..
وهؤلاء المدعون الكاذبون بأن المسيح اختارهم وأرسلهم إلى الناس غيروا دين المسيح، وأعطوا للناس ما يشتهون من الدين، فأسقطوا عنهم التكاليف، وأباحوا لهم ما حرمه الله عليهم، واجتهدوا فقط في جمع أموالهم وصرفها على ملذاتهم وشهواتهم، ولا يزال النصارى إلى يومنا هذا يكتشفون فساد أخلاق هؤلاء الذين نصّبوا أنفسهم عليهم باسم المسيح -عليه السلام-.
ونحن نعرض هنا في هذا الباب مجموعة من الأدلة القاطعة التي لا تدفع على فساد الدين المحرف المبدّل الذي اخترعه وابتدعه هؤلاء الكذابون الذين زعموا أن المسيح -عليه السلام- جاءهم في النوم، وأمرهم بالدعوة إلى المسيحية، وبذلك نشروا التثليث والشرك وأحلوا المحرمات، وأبطلوا شرائع الأنبياء، ووضعوا أنفسهم في خدمة الشيطان، بل جعلوا من أهم الأعمال النصرانية