ولقد لخص صاحب كتاب تاريخ المسيحية في مصر عقيدة الكنيسة المصرية فقال: "كنيستنا المستقيمة الرأي التي تسلمت إيمانها من كيرلس، وديسقورس، ومعها الكنائس الحبشية والأرمنية، والسريانية الأرثوذكسية تعتقد بأن الله ذات واحدة مثلثة الأقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الإبن، وأقنوم الروح القدس، وأن الأقنوم الثاني أي أقنوم الإبن تجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء، فصير هذا الجسد معه واحداً وحدة ذاتية جوهرية منزهة عن الاختلاط، والامتزاج والاستحالة، بريئة من الإنفصال، وبهذا الاتحاد صار الإبن المتجسد طبيعة واحدة من طبيعتين، ومشيئة واحدة".
القول بالمشيئة الواحدة وانفصال المارونية:
ظهر في سوريا راهب يسمى يوحنا مارون في القرن السابع كان يقول بالمشيئة الواحدة، مع قوله بالطبيعتين، وخالف بذلك قرارات المجامع السابقة التي تقول بطبيعتين ومشيئتين، فاجتمع من أجل ذلك المجمع السادس بمدينة القسطنطينية سنة 680م، وأقر لعن من قال بأن للمسيح مشيئة واحدة، كما لعن وكفر وقطع من قال بأن للمسيح طبيعة واحدة وخرج بالقرار الآتي:
"إننا نؤمن بأن الواحد من الثالوث الإبن الوحيد الذي هو الكلمة الأزلية الدائم المستوى مع الأب الإله في أقنوم واحد، ووجه واحد، يعرف تاماً بناسوته، تاماً بلاهوته في الجوهر الذي هو ربنا يسوع المسيح بطبيعتين تامتين، وفعلين، ومشيئتين في أقنوم واحد".
كما شهد المجمع الخلقيدوني سنة 451م: "أن الإله الإبن في آخر الأزمان اتخذ من العذراء السيدة مريم القديسة جسداً إنسانياً بنفس ناطقة عاقلة، وذلك برحمة الله محب البشر، ولم يلحقه في ذلك اختلاط ولا فساد، ولا فرقة ولا فصل، ولكن هو واحد يعمل ما يشبه الإنسان أن يعلمه في طبيعته، وما يشبه الإله أن يعمله في طبيعته، الذي هو الإبن الوحيد، الكلمة الأزلية المتجسدة التي صارت بالحقيقة لحماً، كما يقول الإنجيل المقدس من غير أن تنتقل من مجدها الأزلي، وليست بمتغيرة، ولكنها بفعلين، ومشيئتين وطبيعتين إله وإنسان، وبهما يكمل قول الحق، وكل واحدة من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبتها، فتعملان بمشيئتين غير متضادتين".
الاختلاف حول منشأ انبثاق روح القدس وانفصال الكنيسة الشرقية عن الكنيسة الغربية:
علمنا أن المجمع الأول قرر ألوهية المسيح، ولعن وكفر من يقول بغير ذلك، ثم جاء المجمع الثاني وقرر ألوهية روح القدس وأنها جزء من ثلاثة أجزاء -كما يدعون- ثم جاء المجمع الثالث فقرر أن المسيح اجتمع فيه الإنسان والإله (اللاهوت والناسوت كما يقولون) وأنه ليس إنساناً فقط وأن مريم -عليها السلام- ولدت الإله، والإنسان، وجاء المجمع الرابع فقرر أن المسيح له طبيعتان منفصلتان لا طبيعة واحدة، ومشيئتان كذلك، وعلمنا أن الكنيسة المصرية انفصلت عن كنيسة أوربا لقولها بالطبيعة الواحدة، والمشيئة الواحدة، وانفصلت الكنيسة المارونية السورية لقولها بالمشيئة الواحدة، والطبيعتين.