تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا بأس أن يتم الربط من خلال احيائنا لتراثنا العلمي, فقد بدأت النهضة الأوروبية باحياء التراث الكلاسيكي من خلال ترجمتهم للعلوم العربية؛فهل نأمل في اكمال دائرة التشابه فنخرج من حالة الحيرة والتخلف التي تعانيها شعوبنا العربية لنساير هذا العصر وثقافته بخطى ثابتة؛ وهذه خطوة ضرورية لأننا مفتونون بفكرة الأصالة, قد أدمنا تعاطي التراث بصورة مخيفة حتى كاد أن يصبح مرجعيتنا الوحيدة, نتيجة لاغراق العقول في تراث العصور المتخلفة وفي التفسيرات الدينية المعادية للعقل ولحرية الانسان جريا وراء هذه الأصالة المزعومة, رغم أن الأصالة الحقيقية موجودة في تراثنا العلمي, أعني في مقوماته العقلية والوجدانية التي أدت الى انتاج هذا التراث وابداع ذخائره, هذه القدرات النفسية والعقلية هي التي دفعت أبناء هذه الأمة الى الانفتاح على تراث الإغريق والفرس وتراث الهند دون خوف أو تردد فحققوا أعظم أمجاد الحضارة العربية.

ويجب الدعوة للاقتراب أكثر من علوم العصر وثقافته, ويكفى دليلا على ذلك أن نعرف ما يقوله المستشرق ماكس مايرهوف من أن كتاب (العشر مقالات في العين)الذي وضعه حنين بن اسحق: هو أقدم كتاب مؤلف على الطريقة العلمية في طب العيون... وأن جميع أطباء العيون المتأخرين قد اقتبسوا من ذلك الكتاب وشرحوه؛ أو ما يقوله المستشرق الألماني شتروهماير: من أن أساليب حنين بن اسحق في جمعه للمخطوطات العديدة وتحقيقها وعمله في تطوير اللغة لكي تلائم الاحتياجات العلمية عن طريق الترجمة، يجعله زميلا لنا بالرغم من هذه الأحد عشر قرنا التي تفصلنا عنه.

كل ذلك هو دعوة للتصالح مع النفس ومع العقل من أجل كسر حاجز الاغتراب والدخول إلى حضارة العصر من الطريق الذي ألفناه وهو طريق التراث، ليست إذن رجعة إلى الوراء وإنما خطوة إلى الأمام في سبيل اللحاق بعلوم العصر والمستقبل.

حنين بن إسحاق · الصفحة ٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حنين بن إسحاقص ٢٩