تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتابة سيرة حياة هذا العالم العربي الكبير بصورة دقيقة وموثقة، وابراز دوره في حركة الترجمة، ليس فقط كمترجم لحوالي مائة كتاب من اليونانية إلى السريانية وسبعة وثلاثين كتابا إلى العربية، وليس فقط كفقيه لغوي ومؤلف لعدد من كتب فقه اللغة العربية ونحوها؛ وانما كرسول ثقافي حضاري قام بأسفار عديدة للحصول علي الكتب والمخطوطات، وأقام علاقات مع الروم والبيزنطيين من أجل هذه الغاية؛ وقد أتاحت هذه الأمور فرصة للحساد للكيد والدس له عند بعض الخلفاء، مما عرضه لأشد المحن التي تغلب عليها بايمانه بالله وبرسالته كطبيب مهمته هي علاج المرضى وتخفيف آلامهم، وليس صنع السموم الفتاكة لقتل الخصوم، مما أكسبه مكانة عالية لدى خلفاء الدولة العباسية, وله في هذا المجال مواقف مشهودة، سجلهاابن القفطي وابن جلجل وابن ابي أصيبعة في كتبهم، تجعل من هذا العالم نموذجا في الالتزام بالأمانة العلمية والاصرار على ربط رسالة العلم بخدمة الانسان.

إن حركة الترجمة العربية في العصر العباسي كانت أول وأعظم حركة ثقافية تجسدت فيها فكرة حوار الحضارات، ليس فقط لأن الترجمة شملت نقل التراث الإغريقي والفارسي والهندي.. أي التعامل مع ثقافات وثنية وعقلانية مختلفة، بل لأن هذه الحركة اعتمدت أساسا على مترجمين وعلماء مسيحيين ويهود وصابئة ومن كل الأجناس.. وبهذا جسدت فكرة الحوار والتعايش شكلا ومضمونا بين العرب المسلمين وبين غيرهم من الشعوب والجماعات العرقية والدينية.

حنين بن إسحاق · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حنين بن إسحاقص ٢٧