كما يجب أن لا نجحف حقه ونجاحه كمطبب ذائع الصيت متين الرأي متفتح الذهن؛ فقد طرق في نتاجه العلمي الأبواب الطبية المعروفة، إلا أنه أبدع في مسائل العين وأجاد؛ فكانت كتب الطب التي ترجمها متعددة الألوان من فلسفة الطب حتى دقائق المعالجة الدوائية إلى الطب الوقائي وحفظ الصحة؛ لكنه أولى مسائل العين أهمية خاصة، فهو لم يترجم كناشا يونانيا في العين وكفى، بل إن كتابه العشر مقالات في العين قد كتب على مدى ثلاثين عاما.
ولعل الجانب المثير للإهتمام في حياة حنين هو تلك الأخلاقية الرائعة التي تمتع بها وجعلها منهجا حياتيا يهتدي به في كل سلوكه وحياته فقد كان من أكثر العاملين في الميدان الطبي أخلاقية ونقاوة؛ فهو قد رفض طلب المتوكل على الله أن يصنع له سما لأعدائه، فحبسه ولاقى من العزاب الشيء الكثير سنة كاملة.
وعلى الرغم من حسد ووشاية معاصريه فقد حافظ على موقعه بجدارة، وأثبت باعه الطويل كمطبب ممتاز، وكواحد من أكثر الأعلام في ميدان الترجمة والتأليف في عصره؛ وبقي رغم كل شيء مرجعا يعود إليه طلاب المعرفة يستزيدون منه ويتتلمذون على يديه.
وكان ذلك مثار اعجاب الجميع حتى أساتذته كيوحنا بن ماسويه، وحتى آل بختيشوع الذين كانوا يناصبونه العداء المهني ويختلقون له المشاكل من فترة لأخرى.
إن بداية الحضارة الإسلامية كانت بالترجمة. . ومن الكلمة توالدت الكلمات وتعاظمت في بحر الإبداع الزاخر على أيدي أساطين كبار، كابن سينا والرازي والفارابي وابن هيثم وعشرات من الأسماء الكبيرة.
و لا شك أن شرف نقل الكلمة كان للجيل الأول، للرعيل الذي قاسى الصعاب ليفك الكلمة اليونانية، ويجسدها حرفا عربيا متينا، وبالتالي تصبح الضاد لغة العلم والحضارة.