ولا شك أن الأخبار الصحيحه الصريحة في أنه لم يكن يقرأ ﴿-﴾ -عليه الصلاة والسلام-، وقيل إنه اتفق على ذلك أهل العلم أنه لم يكن يجهر بها، وحديث أبي هريرة هذا عند النسائي، وهو حديث جيد، ظاهره أن أبا هريرة نقل صفة صلاته وأنه قرأ ﴿-﴾ وأبو هريرة الظاهر أنه جهر، يعني قال: قرأ ﴿-﴾ وقرأ الفاتحة، وفي آخره: " إني أشبهكم صلاة برسول الله- صلى الله عليه وسلم- " فيفهم منه، أو يدل أيضا أن قراءته لـ ﴿-﴾ داخلة في قوله: إني لأشبهكم، وهو محتمل لكن ليس نصا. وعلى هذا هل يجهر بها أو لا يجهر بها؟
على أقوال، قيل يجهر بها مطلقا، كما هو قول الشافعي والجماعة، وقيل لا تقرأ أصلا لا جهرا ولا سرا، والصواب أنه يقرأ بها ﴿-﴾ لكن لا يجهر بها، هذه هي سنتة المستقرة- عليه الصلاة والسلام-، إنه لم يكن يجهر ب ﴿-﴾ وأنس - رضي الله عنه - صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، وصحب أبا بكر وعمر وعثمان مقدار ما يقارب خمسا وعشرين سنة، وهو يقول في ذلك: إنهم لم يكونوا يجهرون.
ومن البعيد أن يصلي هذه المدة الطويلة ولم يكونوا يجهرون مرة واحدة، ويقال: إن الجهر مشروع، أو أن الجهر سنة، فلا شك أنه خلاف السنة، وعلى هذا يكون ما جاء به حديث أبي هريرة أنه جهر، جهر لبيان أنها تقرأ حتى يتبين من خفي عليه وظن أن ﴿-﴾ لا تقرأ أن قوله خلاف السنة، وأنها تقرأ، لكن لا يجهر بها فهي ليست آية من الفاتحة، بل هي آية لابتداء السورة، ولاستفتاح السورة، وهي آية للفصل بين السور على الصحيح، وعلى هذا الخلاف فيها، هل هي آية من كل سورة أو ليست آية، أو هي آية للفصل على عدة أقوال؟
الصواب: أنها آية للفصل، كما في حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود أنه " - عليه الصلاة والسلام- لم يكن يعرف فصل سورة من سورة حتى نزل عليه ﴿-﴾ " وعلى هذا يجهر بها أحيانا للمصلحة لبيان أنها يقرأ بها، كما جهر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بدعاء الاستفتاح سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.