الدنيا -لكان مجرما, وأراد أن يمنعه ممن يناجيه على وجه الاعتداء، أوعلى وجه المضارة, ولو دفعه أو ضربه -فإنه يكون محقا في مثل هذا فاعتدى عليه, فكيف إذا كان في حالة مناجاة ربه؟!
فالأمر أشد وأعظم فيدفعه, ثم ينبغي –أيضا- أن يعلم أن المار بين يدي المصلي، إذا كان مروره لا على وجه الاعتداء, فلو كان المصلي -لأن المصلي له أحوال عدة- حال أن يصلي في مكان ليس طريقا للناس، وليس موضع مرور, والمار له مندوحة، وله طريق آخر يمكن أن يمر -فإنه يأثم المار دون المصلي إذا مر, ويجب مدافعته؛ لأنه يمكن أن يمر بطريق آخر.
حال ثان: أن يكون المصلي صلى في موضع مرور الناس وطريقهم، وليس للمار طريق آخر غير هذا الطريق، فيأثم المصلي دون المار (عكس الحالة الأولى). الحالة الثالثة: أن يصلي في طريق للناس، وليس له مكان آخر يصلي فيه, ما وجد إلا هذا المكان, ومر المار وليس له طريق آخر، فكلهم معذور في موضعه, هذا معذور في صلاته في هذا الطريق؛ لأنه ليس له مكان, وهذا معذور في مروره؛ لأنه ليس له طريق، فلا يأثمان جميعا.
وحال عكس هذه يأثمان جميعا، وهي الحالة الرابعة: وهو أن تكون صلاته في طريق الناس، وللمار مندوحة وسعه أن يمر من طريق آخر، فإنهم يأثمان جميعا, هذا يأثم بصلاته في الطريق، ويمكن أن يصلي في مكان آخر, وذاك لمروره بين يدي المصلي، مع أنه يمكن أن يمر من طريق آخر.
فالأحوال أربعة: يأثم المار دون المصلي, يأثم المصلي دون المار, يأثمان جميعا, لا يأثمان جميعا, وهذا مأخوذ من عموم الأدلة في الشرع, وهذا في الحالة التي يأثم فيها المار دون المصلي؛ ولهذا في نفس القصة في حديث أبي سعيد الخدري: " أن شابا جاء ومر بين يديه، فدفعه يوم الجمعة بعد الصلاة أو قبل الصلاة, ثم مر فضربه ولكزه في صدره، فدفعه دفعا شديدا، فذهب إلى مروان بن الحكم فقال له: علام ضربت ابن أخيك؟ فأخبر قال: إنه قال -عليه الصلاة والسلام -: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه, فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان " في لفظ عند مسلم، عن ابن عمر: إذا صلى أحدكم فأراد أحدهم أن يمر ?بدون ذكر السترة- " إذا صلى أحدكم فأراد أحدهم أن يمر بين يديه فليدفعه؛ فإن معه القرين " يعني: الشيطان.