وهذا الحديث فيه قصة هو أنه جاء وسلم على النبي -عليه الصلاة والسلام- فعطس رجل فشمته، فنبهه الصحابة، وضربوا بأيديهم على أفخاذهم، قال: ويل أمي على ما؟! يعني استنكر هذا، وتكلم في الصلاة جهلًا منه، ثم لما فرغ -عليه الصلاة والسلام- قال: فوالله ما قهرني، ولا ضربني، يعني لم يقل له شيئا، ولم يشتمه؛ بل قال له: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن " هذه هي الصلاة قراءة، وتسبيح، وتكبير، وما معها من الأذكار.
والمصنف -رحمه الله- ذكره استدلالا على أن من تكلم في الصلاة ناسيًا أو جاهلًا فإن صلاته صحيحة، واختلف العلماء في هذا، والصواب ما دل عليه هذا الحديث، وهو أن صلاته صحيحة، ولهذا لم يأمره بإعادة الصلاة -عليه الصلاة والسلام-.
وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين " لما أنه سلم -عليه الصلاة والسلام- وكلم أصحابه وكلموه، حتى سألهم عما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: صدق يا رسول الله، لما قال له: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ قال: لم أنس، ولم تقصر، قال: بلى، قد نسيت " يقول ذو اليدين.
يعني: إذا كانت لم تقصر فأنت قد نسيت؛ لأنه كان جازما بأنه سلم اثنتين -عليه الصلاة والسلام- ثم صلى ركعتين، ثم تشهد، ثم سلم، ثم سجد للسهو، ثم سلم -عليه الصلاة والسلام-.
ففيه بيان أن الكلام في هذه الحال لا بأس به؛ بل ربما كان مطلوبًا خاصة إذا كان لمصلحة الصلاة، إذا كان لمصلحة الصلاة فلا بأس أن يتفاوض الإمام، أو يتكلم الإمام مع من يليه، ويسأله إذا أشكل عليه أمر الصلاة.
وهذا الخبر حجة في هذا المعنى، وهو بعد نسخ الكلام في الصلاة -كما سيأتي في حديث زيد بن أرقم- وليس سابقًا له؛ لأنه من رواية أبي هريرة، وأبو هريرة جاء في العام السابع - رضي الله عنه - وأدرك مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جاء وهو في غزوة خيبر بعد صلح الحديبية، فهو متأخر عن نسخ الكلام في الصلاة، وزيد بن أرقم متقدم في هذا، أنه إذا وقع هذا كذلك جهلًا فإنه لا تبطل عبادته.
وهذا الصواب في جميع العبادات: الصلاة والصوم والحج أن ما فعله مما لا يجوز فيها ناسيًا أو جاهلًا، فالصواب في جميع هذا أنه لا شيء عليه، ولهذا من غطى رأسه ناسيًا، من تطيب ناسيًا لا شيء عليه.