فاستوفى منه ولم يعطه أجره " ويدل عليه عموم الأدلة في البيع؛ لأن الإجارة نوع من البيع، والعلماء متفقون على أصل المعنى الذي في الإجارة، إنما فصلت وجعلت في باب خاص وفي كتاب خاص؛ لأنها إجارة منافع، ومنهم من أجاز أيضا لأنها إجارة منافع، ومنهم من أجاز أيضا بيع المنافع على سبيل الإجارة، لكن هذا المعنى متفق عليه، وفيه كما في هذا الخبر: " أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه " من باب الحث على المبادرة على إعطاء الأجير حقه وماله، وهو ألا يؤخر شيئا من حقه.
وأما إذا تم وسلم العمل، فإنه يجب أن يعطى الحق كاملا ولا يبخس شيئا؛ ولهذا في ذلك الخبر في "صحيح البخاري": " ذلك الرجل الذي عمل له ثم أخذوا أجورهم، أو أخذ ذلك الرجل الذي قال: اللهم إنه كان لي أجراء يعملون، فأعطيتهم أجرهم إلا واحدا أبى أن يأخذ، كأنه استقل حقه ثم ذهب، ثم رجع بعد مدة فقال: يا عبد الله -أو يا فلان أعطني-، حقي. فقال: خذ كل ما ترى من حقك. أنه رأى واديا من غنم وواديا من إبل -المقصود: مال كثير-، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: إني لا استهزئ بك. قال: فأخذه كله -وفي لفظ: فاستاقه كله- ولم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت تعلم أني عملت ذلك لوجهك، ففرج عنا ما نحن فيه. ففرج الله عنه شيئا ".
ففيه ... وساقه النبي -عليه الصلاة والسلام- وذكره عمن سبق؛ دلالة على أنه يشرع أن يعطى أجره تاما، وكذلك لو أنه عين أجره له وعلمه، ثم بعد ذلك ذهب، فإنه يملكه، بخلاف ما إذا كان لم يعين، وكان أجره في الذمة، فإنه لا يملكه، المقصود أنه يجب أن يعطى الأجر تاما كاملا، وبهذا ينبغي التنبه إلى حقوق كثير من العمال ممن تؤخر حقوقهم أو رواتبهم، أن هذا من الظلم، وأن هذا من أخذ منافعهم وأعمالهم بغير وجه شرعي، بل هو قد يكون من أعظم الظلم، وقد يكون الظلم أناسا ممن يعولون ويكسبون لهم.
باب إحياء الموات
هل يشترط إذن الحاكم في إحياء الموات