يدخل فيها، وفيه أنه لا بأس بالكسب ولو كان دنيئا، كالحجامة وما يلحق بها، لكن كره بعض أهل العلم هذا الكسب، ومنهم من شدد فيه، والصواب ما دل عليه الخبر: " أنه احتجم وأعطى الحجام أجره، ولو كان حراما لم يعطه " وثبت معناه من حديث أنس في "صحيح البخاري": " أنه حجم أبو طيبة وكلم مواليه، فخففوا عنه من ضريبته " يعني من المال الذي ضربه عليه.
والحجامة هي استخراج الدم. وكرهها بعض أهل العلم؛ من جهة أنها مباشرة للنجاسة وقد تصيب البدن، وقد ربما أيضا نزلت إلى جوف؛ فلهذا كرهت من هذه الجهة. حديث رافع بن خديج: " كسب الحجام خبيث " وهذا أيضا مما يبين أنه إذا أمكن الاستغناء عنها بعمل آخر فلا بأس، والأظهر -والله أعلم- أنه إن كانت هذه مهنته وليس له عمل إلا هو، ولا يتكسب إلا منها، فإنه لا بأس أن يتكسب بها (بالحجامة)، وإن كان يجد غيرها من المكاسب، فهو أولى وأكمل، وإلا هذه الأعمال يحتاج الناس إليها، ولو احتاجوا إلى الحجامة.
وكذلك أيضا بعض ما يتعلق بأعمال الناس، مما في تنظيف إزالة الزبل والنجاسات، لو لم يجدوا من يعمل هذه الأعمال؛ لتأذى الناس أذى شديدا، فلهذا كان من حكمة الشرع أنه أباحها، وأباح أخذ الأجرة عليها.
وقد ورد في حديث المحيصة عند أحمد وأهل السنن، أنه سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- عن كسب الحجامة قال: " أعلفه ناطحك " يعني: أطعمه البهائم. وهذا يبين أنه كسب فيه دناءة، وأنه ربما صار له أثر عليه، من جهة إذا تناوله وأكله؛ ولهذا قال: " اعلفه ناطحك " ولم يمنعه منه ولم يحرم عليه، دل على أنه لا بأس بها.
وقوله: " كسب الحجام خبيث " لا يدل على التحريم؛ لأن الخبث قد يكون من جهة الرداءة، أو من جهة رداء المال ورديء المال، يسمى خبيثا لأنه ليس بطيب، هو مقابله الطيب، مثل المال، مثل الطعام الذي يكون فيه شيء رديء، أو المال الذي يكون فيه شيء رديء، ولهذا قال -تعالى-: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ ((((((((((﴾ (1) فسماه خبيثا مع أنه لم يحرم النفقة منه، لكنها عن قصد إنفاقه، أما لو أخذه لنفسه وأكل هذا المال، أو أكل هذا التمر الذي هو مشتمل على شيء رديء من حيث الرائحة، فلا بأس بها، أما أن يخرجه في سبيل الله أو يتصدق به، فالله طيب لا يقبل إلا طيبا، ومقابل الطيب قد يكون خبيثا حراما، وقد يكون خبيثا لكنه ليس بحرام، وأنه رديء، مثل خبث بعض الأطعمة: كالبصل والثوم. "إنكم تأكلون من شجرتين خبيثتين". كما قال عمر - رضي الله عنه - خبثهما لا يستلزم التحريم، لكنه كسب فيه دناءة؛ ولهذا قال ... لكن وعند الحاجة ربما خفت الكراهة، أو زالت الكراهة للحاجة. وهذا أيضا متقرر في الشريعة: أن الحاجة ربما أزالت مثل هذا؛ ولهذا قال بعض السلف: كسب فيه دناءة خير من مسألة الناس.
استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - " قال الله - ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره " رواه مسلم.
هذا الخبر عزاه المصنف إلى مسلم، وهو موجود في البخاري في مواضع عدة (مواضع في البخاري)، ذكر رحمه الله ... وهو لعله وهم منه -رحمه الله-، وهذا مما يبين أنه كان يملي من حفظه، وربما أيضا وقع له وهم في مثل هذا، وقد سبق لي أن قارنت في كتابي هنا وفي كتاب المحرر في بعض المواضع، فوجدته يتبع صاحب المحرر (ابن عبد الهادي) في كثير من المواضع، وربما نقل الخبر بنصه تماما، أو نقل العزو بنصه في كثير من المواضع، وهذا -كما سبق أيضا- لعله أيضا كان يستظهر كتاب المحرر ويحفظه، وعلق بذهنه، فربما ماثله أو شابهه في عزوه، وكذلك في التبويب رحمه الله.
(1) - سورة البقرة آية: 267.