وأما إذا كانا جارين منفصلين وقد حدت الطرق وصرفت، عرفت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وهذا أظهر، وعلى هذا يتبين أنه تكون الشفعة في هذه الأمور الثلاثة كلها؛ لدفع ضرر القسمة بأن يشفع على جاره في المنزل الذي ينقسم، في البستان الذي ينقسم، يشفع فيه؛ لأنه يريد أن يدفع القسمة التي ربما أدخلها عليه الأجنبي إذا ارتفقا في هذا البستان مثل ما كان يرتفق معه شريكه الأول، ويرتفق بهذه الدار كما كان يرتفق بها مع شريكه الأول، وكذلك دفع ضرر الشركة إذا كان به شيء غير منقول أو في العقار لا ينقسم يريد أن يدفع ضرر الشركة؛ لأنه إذا جاءه الأجنبي الدخيل فإنه ربما دخل عليه ضرر في هذا الشيء الذي بينهما.
فلو كان مثل ما سبق فإذا هما اشتركا في سيارة وهي لا تنقسم فباع أحدهما نصيبه مثلا ونصيبه النصف، وجاء دخيل أجنبي، لا شك أنه ربما تضرر من ذاك الأجنبي الذي ليس بينه وبينه معرفة، ولا يدري كيف تعامله معه، فهذا الضرر يدفعه إلى أن يبيعه أيضا هو، ويريد أن يبيع وأن يتخلص فناسب أن يسلط على هذا الجزء الشائع لشريكه وأن يشفع فيه، كذلك أيضا يجوز يشفع في الجار الذي يكون بينهما ارتفاق في شيء من الأشياء، هذا هو الأظهر، وأن الشفعة تكون في هذه الأمور الثلاثة.
دليله عموم الحديث، حديث جابر - رضي الله عنه - أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- " قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم " وهذا عام في كل ما لم يقسم، عام في العقار، في جميع العقار، ولم يستثنِ شيئا -عليه الصلاة والسلام-، ثم أيضا لو كان خاصا أو دالا على أنه بالعقار المقسوم، فإنه يدل من جهة المعنى والقياس الأولى أنه في غير العقار المقسوم من باب أولى، أيضا كما يأتي من رواية الطحاوي: عن جابر بن عبد الله " قضى بالشفعة في كل شيء " هذا العموم يدل على أنه تشرع الشفعة في كل شيء وهذا يشمل العقارات والمنقولات.
هذا هو الأصل في الشفعة من جهة حكمة المشروعية، وكذلك من جهة علة المشروعية فإن هنالك حكمة وهنالك علة، واختلف في العلة على أي شيء، والأظهر أنه على كل هذه الأشياء من جهة عموم الأدلة، ومن أيضا بالنظر إلى ملاحظة المعنى الذي دلت عليه الشفعة، قوله: " فإذا وقعت الحدود وصرفت