ففي حديث يعلى بن أمية: "قال: مؤداة"، وفي حديث صفوان: "قال: بل مضمونة"، وكان صفوان إذ ذاك لم يسلم، ولا شك أنه إذا كان لم يسلم فلا يستغرب أن يقول مثل هذا، وأنه يشترط الضمان، واشترط الضمان عليه، وأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- لكي يطمئن قال: إن دروعك مضمونة مطلقًا؛ ولهذا قال: بل عارية مضمونة، يعني: أضمنها لك؛ سواء تلفت بتفريط، أو بغير ذلك، مطلقًا، وأنها مضمونة، حتى لو تلفت بغير تفريط.
وهذا يبين ما ذهب إليه جمع من أهل العلم، وأنه يجوز اشتراط ضمان العارية واشتراط عدم ضمانها، وأن الأصل فيها أنها غير مضمونة إلا بالتعدي؛ ولهذا قال: بل عارية مؤداة -في حديث يعلى- وفي حديث صفوان قال: بل عارية مضمونة، يعني أضمنها لك.
وعلى هذا يقال مثلا: إن العارية الأصل فيها أنها كأمانة من الأمانات، وهذا هو الأصل في الأمانات أنها لا تضمن؛ سواء كانت الأمانة لمصلحة المعطي، مثل أن يكون عندك وديعة لإنسان، هذا قبض لمصلحة المعطي -الذي أقبضك- أو أن تكون لمصلحة المعطى -القابض- وهي كالعارية، العارية التي تأخذها ممن يعيرك أنت قبضتها لمصلحتك، بخلاف الأمانة أو الوديعة.
بخلاف الوديعة، فهي من مصلحة المودع لا من مصلحة المقبض؛ لأنه يحفظها للمودع أو تكون من مصلحتهما جميعا مصلحة المقبض والقابض، وهي مثل ما يقبض بطريق الشركة، مثل ما يكون مال شراكة بين اثنين، ويشرف عليه أحدهما، فهو يتصرف في نصيبه بمقتضى الملك، ويتصرف في نصيب صاحبه بمقتضى القبض الذي مصلحتهما جميعا، فهو أقبضه إياه، وهذا القبض في مصلحته، وهذا هو أمانة، سواء قبض الشيء لمصلحته أو لمصلحة المقبض أو لمصلحتهما جميعا، فكلها أمانات ولا تضمن إلا بالتعدي على الصحيح، والعارية من ضمن ذلك.
لكن يجوز على الصحيح اشتراط نفي الضمان فيما يضمن، يعني حتى لو قيل مثلا بضمان العارية وأنها مضمونة، فاشترط المعير على المستعير قال: أعطيك هذا الكتاب بشرط أنك تضمن لي هذا الكتاب، وأنه يعود، وإن تلف أو حصل له شيء من التلف أنك تضمنه لي، ويضمنه له بمثله، كتاب آخر، كما سيأتي