تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأمر الثاني: ألا يترتب على أخذ حقك شر وفتنة، فإن ترتب على أخذ الحق شر وفتنة، مثل أن تعلم أنك لو أخذت ماله ربما رد بالمثل، فثارت وهاجت فتنة بينك وبينه، وصار عداوة منه عليك، أو ربما سرق شيئًا من مالك وأدعى أنك أنت سرقت منه، فحصل فتنة وشر.

لكن إذا كنت تأمن جانبه، وتعلم أنه لا يحصل بذلك شر وفتنة؛ ففي هذه الحالة لا بأس, وسموها مسألة الظفر بالحق، وهو ظاهر اختيار البخاري -رحمه الله- في صحيحه -رحمه الله- حيث بوب باب القصاص المظلوم من الظالم، وذكر خبر هند بنت عتبة في حديث عائشة -رضي الله عنها- وأنها قالت: " إن أبا سفيان رجل شحيح، ورجل مسيك، لا يعطيني ما يكفيني؛ ولهذا قال: خذي وولدك ما يكفيك بالمعروف " وقالوا: إنه أذن لها -عليه الصلاة والسلام- بأن تأخذ من ماله بقدر ما يكفيها ويكفي أولادها بالمعروف، وهو مسألة الظفر بالحق.

وبعضهم فرق في مسألة الظفر بالحق بين الحق الظاهر والحق الباطن؛ فمن كان حقه ظاهرا جاز له ذلك، ومن كان حقه باطنا لا يجوز له ذلك، وقالوا: إن الحق الظاهر يمكن إثباته، مثل نفقة الزوجة، ونفقة أولادها، هذا أمر واضح، وكذلك أيضًا مثل ليلة الضيف، إذا جاء إلى قوم فلم يكرموه ولم يقروه جاز أن يأخذ من حقهم على الصحيح؛ ولهذا أنه قال -عليه الصلاة والسلام- في حديث عقبة بن عامر قالوا له: " يا رسول الله، إننا نمر بقوم لا يقروننا - وفي لفظ: لا يقرونا- قال: إذا مررتم بقوم فلم يقروكم فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لكم " كما في الصحيحين، وعند أبي داود وغيره من حديث قدامة بن معدي كرب: " من نزل بقوم فلم يقروه فإن على كل مسلم نصره حتى يأخذ بحقه من زرعه وماله، أو يقرى من زرعه وماله " يعني زرع ومال من كانت الضيافة عليه واجبة، فقالوا: إنها أمر ظاهر، والرسول -عليه الصلاة والسلام- أجاز له وأباح له أن يأخذ بحق قراه في تلك الليلة، وكذلك قال: إن نصره واجب على كل مسلم.

والأظهر الجواز مع أمن الشر والفتنة، خاصة قد يكون الحق كثيرًا، وقد يكون هذا مماطلا وجاحدًا ومنكرًا، ويمكن أن يأخذ شيئًا من ماله بدون أن يترتب على ذلك شر وفتنة.

شرح البلوغ · الصفحة ٥٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح البلوغص ٥٨١