تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحافظ -رحمه الله-: وهو شامل للعارية من جهة وجوب أدائها مطلقًا، وكأنه -والله أعلم- يشير إلى أنها مضمونة، وسبق أن الأظهر أنه إذا لم يتعدَّ فيها فإنه لا يضمنها، وأنها من جملة الأمانات، ولا تضمن إلا بالتعدي على الصحيح.

وهذا كله فيما إذا تنازعوا واختلفوا، أما إذا كان الأمر عن رضا منهم فما اتفقا عليه فلهما ذلك؛ لأن الحق لا يعدوهما.

واستدل بهذا الخبر أيضًا -"ولا تخن من خانك"- أنه يجب أداء الحقوق مطلقًا، كل حق يجب أن يؤدى، من كان عليه دين يجب أن يأخذه في عفاف، ولا يجوز له أن يسلك طريقًا يكون في ظاهره نوع من الخيانة وإن كان في الباطن خلاف ذلك، إن كان له حق على أي إنسان، فإذا أمكن أن يأخذه بالطريقة المتبعة بدون أن يُنسب إلى خيانة فهو الواجب، من طريق إثباته شرعًا، أو طريق الإقرار، إقراره هو، ثم يُسَلم له الحق، وإذا لم يتمكن بأخذه إلا عن طريق أن يأخذ من ماله مثلا، مثل إنسان له على إنسان دين، وهذا الذي عليه الدين جاحد للحق، وأنت ليس عندك بيِّنة؛ في هذه الحال هل يجوز لك أن تأخذ من ماله بقدر حقك إذا أمكنك ذلك، كأن تكون أقرضته قرضًا، أو ادَّان منك دينًا؟

المقصود أنه ثبت لك حق قِبل هذا الشخص، ولم يكن لك طريق لإثباته؛ لأنه لم يعترف بذلك، ولا بينة لك عليه، مذهب أحمد -رحمه الله- أنه لا يجوز لك أن تأخذ من ماله بدون أن يسلِّم لك بالرضا؛ استدلوا بعموم الأدلة من جهة أن أخذك من ماله أخذ بغير حق وفيه خيانة، وأيضًا أخذك من ماله يكون بغير رضا منه، ولا يجوز استباحة الأموال إلا بالرضا، ولا يجوز أخذ المال إلا بطيب نفس من صاحبه، فكيف تأخذ ماله بغير رضا منه، أخذوا بالأدلة العامة، وأنه إن أمكنك أن تأخذها عن طريق الإثبات، وعن طريق الحاكم الشرعي، أو من طريق البينة، وإلا تصبر حتى يتيسر لك ذلك، فيقر ويعترف ويسلم لك.

وذهب الجمهور إلى أنه لا بأس أن تأخذ من ماله بقدر حقك، على خلاف بينهم في تفصيل هذه المسألة، يسمونها مسألة الظفر بالحق؛ من ظفر بحقه أو بشيء من حقه عن طريق خصمه الذي يطلبه المال، وهو جاحد له، وليس لك طريق لإثباته، وليس عندك بينة يمكن أن تلزمه بذلك؛ في هذه الحالة لا بأس أن

شرح البلوغ · الصفحة ٥٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح البلوغص ٥٧٩