تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا الحديث حديث جيد، وقد رواه الإمام أحمد أيضًا، وهو حديث طويل، وهو أنه أوصاه -عليه الصلاة والسلام- بخصال: أوصاه بحب المساكين، وأن ينظر إلى من هو أسفل منه، وأن يصل الرحم وإن أدبرت، قال: وأن أقول بالحق وإن كان مُرًّا، وهذا يبين أنه يجب أن يقول الإنسان الحق وأن يعترف به.

والإقرار -كما قال العلماء-: هو سيد البينات؛ لأنه اعتراف ممن عليه الحق، فلا يحتمل الشبهة، أما الشهادة فإنها تحتمل، يحتمل من جهة أنهم شهداء زور، أنهم شهدوا عليه ظلمًا، شهدوا له زورًا، أو أن يكونوا وهموا فظنوا أن الشهادة صحيحة فيحتمل ويعتريها .. ، وإن كانت حجة، لكن الإقرار هو إقرار ممن عليه الحق؛ فلهذا هو سيد البينات، ومن اعترف وأقر على نفسه طائعًا مختارًا نَفَذَ ذلك عليه في الحقوق الخالصة للآدميين، فإنه لا يصح الرجوع عنها بلا خلاف.

فإذا اعترف في الحقوق الخالصة، والحدود التي هي خالص حق الآدميين، والحقوق الخالصة للعباد، مثل أن يعترف للإنسان بأن له عليه قرضًا، أو عليه دينا من مبيع، أو أن له عنده هذا الشيء وديعة أو أمانة؛ فإنه يثبت في ذمته، ولو أنكر بعد ذلك لا يقبل إنكاره، ويجب عليه ويلزم بذلك.

وكذلك الإقرار في الحدود التي هي خالص حق البشر، مثل القصاص، مثل حد القذف؛ فهذه إذا اعترف بها لزمته، أما الحدود التي هي خالص حق الله - كحد الزنا وما أشبهه، فهذه الحدود تبنى على الدرء والإسقاط؛ ولهذا لو اعترف ثم رجع فإنه يُترك، بل إنه يلقن كما لقن النبي -عليه الصلاة والسلام- ماعزًا، لقّنه إلى أن يرجع، وعرض له بذلك عليه الصلاة والسلام، بل حتى لو رجع أثناء إقامة الحد فالصحيح أنه يترك.

ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام- في حديث ماعز: " هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه " فإن رجع صراحة، قال إنه لم يفعل الزنا، لم يزن، فإنه يترك اتفاقا، وإن رجع تعريضا أو ضمنا ولم يكن صراحة بأن هرب، فالصحيح أنه يترك؛ لأنه إذا كان يعرض له بالرجوع فمن باب أولى إذا هو هرب فيترك.

فالمقصود أن الإقرار في مثل هذه الأشياء يقبل فيه الرجوع، بخلاف الإقرار في الحقوق الخالصة للعباد، وكذلك في الحدود التي هي خالصة أو هي حق الآدميين.

شرح البلوغ · الصفحة ٥٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح البلوغص ٥٧٤