"وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - ... "، وقد ساق المصنف شاهدا لحديث عمرو بن عوف من حديث أبي هريرة، سبق أن حديث أبي هريرة هذا رواه أبو داود، وأن هذا الحديث لا بأس، في المجموع بالذات حديث أبي هريرة، فهو حديث لا بأس به، وله شواهد في المعنى، فهو من باب الحسن لغيره، لكن حديث عمرو بن عوف فيه ضعف شديد، ومن صححه فقد وهم، كالترمذي -رحمه الله-؛ لأنه كثير بن عبد الله بن عامر بن عوف المزني وهو متروك الحديث، لكن رواية أبي هريرة رواية أجود وأحسن.
حق الجار
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - قال: " لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره " ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم. متفق عليه.
هذا الحديث قال: " لا يمنع " روي بالنفي والنهي لا يمنع، ويؤيد أنه بالنهي؛ لأن الرواية الأخرى جاءت: " لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره " ويقال: خشبه (بالجمع). ويقال: خشبة في جداره. وهذا الخبر يدل على أنه يجب على الجار أن يمكن جاره من الانتفاع بجداره فيما لا ضرر عليه، يريد أن يغرز خشبة، يريد أن يضع شيئا على جدار جاره، إذا كان الجدار ليس مشتركا، أو مشترك لكنه يشترط أيضا عدم الضرر، أو أن يكون الضرر ضررا يسيرا، أو أنه لو حدث ضرر من هذا الخشب، فإنه يصلحه، مثل يريد أن يحفر في الجدار، وأن يضع الخشب، وأن يسد بعد ذلك الحفر، أو يسده بالخشب، والجدار لا يتأثر ولا يتضرر، فظاهر النص أنه يجب تمكينه من ذلك، وهذا هو مذهب أحمد رحمه الله.
وخالف في ذلك الجمهور وقالوا: إن هذا مبني على طيب النفس والمسامحة، وأن هذا مما لا يجب؛ لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. والمصنف -رحمه الله- ساق بعده حديث أبي حميد: " لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه إلا بإذنه " وما جاء في معناه، كأنه أشار بذلك إلى الجمع بين الخبرين، من جهة أن الأدلة تدل على أنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه، كما جاءت بذلك الأخبار، لكن الصواب ما دل عليه الخبر وهو صريح، ولهذا كان أبو هريرة - رضي الله عنه - يقول: ما لي أراكم عنها معرضين؟! لأرمين بها بين أكتافكم. وهذا منه يدل على أنه فهم الوجوب هو ظاهر النص، قال: " لا يمنع جار جاره أن يغرز