لأنها قد تئول إلى ذلك، فالإصلاح وقطع النزاع من أفضل القربات وأجل الطاعات، خاصة مع خلوص النية في ذلك وإرادة وجهه -سبحانه وتعالى-، ولهذا كان الكذب فيه جائزا، بل مطلوبا إذا كان القصد الجمع بين المتخاصمين، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: " ليس الكذاب الذي يقول خيرا أو ينمي خيرا " وأجاز الشرع أيضا ما يجري بين الرجل وزوجه والزوجة وزوجها، فيما يكون سببا في دوام العشرة، وإن كان فيه نوع الكذب فلا بأس، من جهة أن فيه الإصلاح وجمع القلوب وتأليف القلوب، وإصلاح الزوجين من أعظم ما يكون وأفضل ما يكون.
فالمقصود أن أهل العلم يتكلمون في هذا ويذكرون له أحكاما، ولهذا كان من أنواع الصلح ما يحصل بين المتنازعين والمتخاصمين في أمور العقود والمداينات، والعلماء ذكروا أن الصلح نوعين:
صلح إنكار، وصلح إقرار.
صلح إقرار، اتفقوا على جواز صلح الإقرار، بمعنى أن يكون بينك وبين إنسان مداينة في مال، فتقول له: أريد أن تضع عني نصف هذا المال، أو ربع هذا المال، وأعطيك الباقي. هذا جائز بلا إشكال كما سبق، النوع الثاني: صلح الإنكار، وهو جائز عند جمهور العلماء، ومثاله: أن يدعي إنسان على إنسان، ويطالبه بشيء من المال، والمدعى عليه ينكر، يقول: ليس لك في إلا بحق. والمدعي لا بينة له، فعند ذلك يريد المدعى عليه أن يقطع النزاع، وكذلك المدعي، فيقول: أنا لا أذكر لك حقا قبلي. فيقول: لا، أنا أعرف هذا. وهو صادق في ذلك، المدعي يكون صادقا في ذلك فيما بينه وبينه، لا يعلم ذلك منه إلا أنه فيما بينه وبين الناس صادق، فيقول المدعى عليه (المنكر): أريد أن أصالحك على هذا الذي تدعي علي. فلو ادعى عليه مثلا ألف ريال مالا في دين أو قرض، أو إتلاف شيء من أمواله، المقصود أنه شيء ثبت في ذمة المدعى عليه، فيقول: أصالحك على أن تسقط النصف، أعطيك النصف ونقطع النزاع. فهو في حق المدعى عليه إنكار؛ لأنه منكر؛ ولهذا سمي هذا الصلح صلح إنكار، وهو جائز وحلال في حق الجميع، إذا كان المدعي صادقا، وإن كان المدعي كاذبا فهو حرام، والصلح باطل فيما بينه وبين الله؛ لأنه في هذه الحالة ليس صلحا، ظلم وهضم لحق أخيك المسلم، لكنه لما أنه رضي أن يدفع ويقطع النزاع جاز ذلك.