وكان يذهب إلى الحج ويسبق الحجاج، ويأتي إلى المدينة ويسبقهم، فقال عمر - رضي الله عنه - إن أسيد بن جهينة ريد به -يعني: أنه صار دينه أكثر من ماله الموجود-، وإنا سنبيع ماله، فمن له حق فليحضر في الغد. يقول عمر - رضي الله عنه -.
والآخر حديث في هذا ... هذان الأثران في ثبوتهما نظر، ويشهد لهما أيضا قصة علي بن أبي طالب مع عثمان، حيث أن عبد الله بن جعفر اشترى مالا كثيرا، فأنكر عليه علي - رضي الله عنه - وظن أنه قد غلب في هذا البيع، فجاء إلى عثمان وقال: احجر عليه وامنعه. ثم لما علم عبد الله بن جعفر، جاء إلى الزبير بن العوام - رضي الله عنه - فأخبره بالأمر، فقال: أنا شريكك. حتى يدفع عنه الحجر والمنع، فلما علم عثمان قال: كيف أحجر على رجل الزبير شريكه؟! رواه الشافعي وغيره، وهذه الرواية إسنادها جيد، وهذه تدل على أن الصحابة -رضي الله عنهم-: عثمان، وعلي، وعبد الله بن جعفر، والزبير، أن الحجر كان عندهم معلوما، ولهذا لم يستنكروا الحجر والمنع، فدل على أنه يجوز المنع على الرجل الكبير، ولو كان قد بلغ، إذا كان مبذرا في ماله وخشي من ضياع ماله، أو ضياع حقوق أهل الحقوق.
وفي هذه القصة: أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - كان شابا سخيا وكريما، وكان ينفق، وكان يولم - رضي الله عنه - فكثر دينه، فطلب غرماؤه حقوقهم، فباع النبي -عليه الصلاة والسلام- ماله كما في هذه الرواية، لكن هذه الآثار يشهد لها قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا (((((((((((((﴾ (1) فأمر الله بأن تمنع الأموال من التصرف فيها فيمن يكون سفيها ويسرف، فمن يكون سفيها في تصرف المال: يشتري الشيء اليسير بأضعاف مضاعفة، ويكون سبب ذلك تلف ماله، وإذا كان عليه شيء من الحقوق، تسبب في إتلاف أصحاب الحقوق، فمثل هذا يمنع من التصرف في ماله إذا طلب غرماؤه ذلك.
وأيضا ما يدل عليه: " أنه -عليه الصلاة والسلام- باع المدبر " ذلك الرجل الذي دبر مملوكا له، قال لمملوك له: أنت عتيق بعد موتي. جعله عتيقا بعد موته، والرسول -عليه الصلاة والسلام- باعه في ... باع هذا المدبر وقضى به دينه، دل على أنه يجوز المنع والحجر على الكبير.
(1) - سورة النساء آية: 5.