وهذا الحديث دليل على أن من كان عليه دين، فإنه يجب عليه السداد -كما تقدم-، فإن لم يجد ما يكفي لسداد دينه، فلا يطالب بغير ذلك؛ ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: " خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك " فيؤمر أهل الدين بأن يأخذوا حقوقهم، ثم بعد ذلك عليهم أن يكفوا، لقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (1) ولا يجوز الزيادة على ذلك.
وقوله: "في ثمار ابتاعها"، سبق معناه في حديث جابر، وجاء معناه في حديث أنس: " أرأيت إن منع الله الثمرة، فلم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " وفي لفظ عند مسلم عن جابر: " أنه -عليه الصلاة والسلام- أمر بوضع الجوائح " وسبق أيضا: أنه إذا اشترى من صاحب ثمرة ثمرته، اشترى ثمرة البستان من تمر أو غيره، ثم بعد ذلك أصابتها جائحة من برد أو بَرَد أو مطر، فتلفت الثمرة قبل تمام نضجها جميعا، يعني بدأ فيها الاستواء وجاز بيعها، ثم تلفت الثمرة بجائحة، فالصواب أنه توضع الجائحة، ولا يجوز للبائع أن يأخذ مال أخيه مطلقا، ولا يقدر بالثلث، بل توضع جميع الجائحات، إلا الشيء اليسير الذي يسقط من النخل، أو من الشجرة من ثمرة تسقط فتكون للطير، أو شيء يسير يسقط كما هو المعتاد، هذا لا يوضع، إنما المراد الجائحة التي تصيب المال وتهلكه، ويكون معلوما أنها متلفة له، فهذه توضع كما سبق.
وهذا الخبر استدل به من قال: إنه لا توضع الجائحة. لأنه قال: "في ثمار ابتاعها" " أصيب رجل في ثمار ابتاعها " وأمر الرسول -عليه الصلاة والسلام- الناس أن يتصدقوا عليه، فكأنه مخالف لحديث جابر - رضي الله عنه - والأظهر أن حديث جابر محكم وواضح، وهذا الحديث محتمل، وحديث جابر صريح وواضح، والقاعدة: أن الأحاديث المتشابهة ترد إلى الأحاديث المحكمة، ولا ترد المحكم إلى المتشابه. وهذا يكفي في الجواب عن هذا الحديث.
وهذه قاعدة تؤخذ في جميع الأخبار: "إذا ورد خبر صريح في أمر من الأمور، ثم جاء خبر محتمل وليس بصريح، فالواجب أن يرد المتشابه إلى المحكم في النصوص كلها ويؤخذ به". وذاك يقتضي احتمالات كثيرة، ولهذا هذا الخبر يحتمل أنه قبل النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وأنه يجوز مثلا أن تباع قبل بدو
(1) - سورة البقرة آية: 280.