وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة " رواه البخاري.
حديث أبي هريرة في الرهن، والرهن معناه: توثقة دين بعين، معناه أنك إذا اشتريت سلعة بدين فأراد صاحب السلعة أن يتوثق، فقلت أعطيك السيارة رهن أو البيت أو الأرض أو البستان؛ فهذا لا بأس به، ومشروع أن يرهنه، ولأنه مصلحة للراهن والمرتهن جميعا.
والرهن إذا كان حيوانا يركب، أو حيوانا له لبن يشرب؛ فلا بأس، من ذلك أن يرهن من عنده غنم أو إبل، وتكون وثيقة بالحق حتى يقضيه.
وفي هذا الحديث أنه قال: "إن الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان يعني .. إذا كان له لبن وتحلب أنه يشرب بنفقته"؛ فلو أنك رهنت غنما فيها لبن عند إنسان، فلا بأس أن تشرب من لبنها بالنفقة التي تنفقها والعلف الذي تعطيه إياه -هذه البهيمة- ويكون العلف مقابل شربك لها وأخذك لها من هذا اللبن.
والجمهور خالفوا في ذلك وقالوا: لا يجوز أن يشرب من لبنها، ولا يجوز أن يركبها؛ لأمرين:
الأول: أنه تسلط على مال ليس يملكه، هو مرهون، وحقه في الرهن، أما ما يخرج من اللبن والحليب وركوبها فليس له ذلك، فكيف يشرب لبنها ويركبها بلا إذن؟ فهو حقه في الركوب، وما خرج منها فإنه مملوك لصاحبه.
وأيضا علة ثانية: قالوا: إنه أخذ مقابل نفقته حليب أو ركوب، وهو غير مماثل للنفقة، هو ينفق علفا أو شعيرا مثلا، فيأخذ مقابله ما يشرب من لبنها وما يركبها ولا يعلم قدره، وقالوا لهذين السببين لا يجوز، وقالوا: إن هذا مخالف لبعض الأصول والأدلة.
لكن قول أحمد -رحمه الله- هو الصواب؛ لأن هذا هو ظاهر الحديث، وهذا الحديث أصل بنفسه، وأنه من أخذ رهنا من ماشية، ولها لبن ودر من حليب وسمن وغيره؛ فإنه يشرب بقدر النفقة، ويركب بقدر النفقة، وهو في الحقيقة مصلحة للجميع؛ وذلك أن النفقة مقاربة لما يخرج منها، فالحديث أصل بنفسه.