وعلى هذا فالأظهر في الاستصناع أنه لا يشترط تقديم رأس المال؛ لأنه يجوز أن تستصنع مثلا سلعة من السلع ثم بعد صناعتها لا تصلح لك، أو لا تكون مناسبة من جهة أنه لا يصنعها على الصنعة المطلوبة، ثم هو لا يَلزمك إلا بعد صنعتها وأخذها، فهو عقد مستقل وليس من أبواب السلم.
ثم الاستصناع اليوم صناعة عالمية، في صناعة الطائرات والسيارات بين الشركات، وصناعة الأجهزة وما أشبه ذلك مما يستصنع، وقد يشترط فيه الصناعة .. مثلا صناعة شخص معين أو شركة معينة، وقد يكون ليس قصده صناعة شخص معين، إنما يقصد مثلا هذه الشركة، أو كما يقولون: الماركة الفلانية، ولا يقصد عين شخص معين بل جهة اعتبارية من جهة هذه الشركة، وقد هذه الشركة تصنعها بنفسها وقد تصنعها بغيرها.
وربما استصنع مثلا مع جهة، واتفق معهم لصناعة هذا الجهاز، ثم هذه الجهة تتفق مع جهة أخرى بالصناعة، فيكون أكثر من وسيط، فإذا ضبط الشيء المصنوع وعلمت صفاته وحددت، ففي هذه الحالة كان عقدا من العقود الجائزة المستقلة، وهو ليس داخلا في عقود السلم إنما هو عقد مستقل، كعقد الإجارة وعقود القرض وما أشبهها.
وللبخاري: " من أسلف في شيء .. " هذا يبين أنه سلم وأنه سلف، يقال له سلم وسلف.
السلف في الحنطة والشعير والزبيب
وعن عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى -رضي الله تعالى عنهما- قالا: " كنا نصيب المغانم مع رسول الله - وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفه في الحنطة والشعير والزبيب -وفي رواية: والزيت- إلى أجل مسمى. قيل: أكان له زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك " رواه البخاري.
في هذا أنهم كانوا -رضي الله عنهم- ربما حصل لهم شيء من المال من طريق المغانم، وإن هذا كان من أفضل مكاسبهم -رضي الله عنهم- فإذا غنموا شيئا من المال أسلموا في الثمار والحبوب، وقالوا: "كان يأتينا أنباط من أنباط الشام"، هؤلاء الأنباط قوم من العرب دخلوا في العجم كما قال أهل العلم؛ ففسدت لغتهم، وتغيرت كثيرا من أمورهم؛ لاختلاطهم بالعجم، وكانوا ربما كانوا في ذلك في بلاد الشام، ولهم عناية