ومما جوز -رحمه الله- أيضا جعل مال الدين رأس مال سلف، لو كان لك على إنسان مثلا ألف ريال، فحل الأجل، فقلت له: أنت الآن في ذمتك ألف ريال، فاجعل هذه الألف ريال في ذمتك. جعلتها دينا سلما في ذمتك بمائة صاع من بر، أو بعشرة ثياب موصوفة في الذمة، أو بعشرة كتب صفتها كذا وكذا.
كل موصوف يوصف ويمكن أن يقدر عليه بالوصف، ويضبط بالوصف بشروطه الآتية في باب السلم يجوز، هذه الصورة جعلها بعض العلماء بيع الدين، جمهور العلماء، بل حكى ابن المنذر وجماعة الإجماع على ذلك، وقالوا: لا يجوز أن يجعل الدين رأس مال سلما. وحكوا الإجماع، وذكر ذلك صاحب المغني -رحمه الله-، لكن تقي الدين -رحمه الله- وابن القيم ردا هذا، وقالوا: لا إجماع في المسألة، ولا دليل يمنع من هذا، أن يجعل ما في الذمة مال سلم. وهنالك صور أخرى ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
استثناء بيع العرايا من أبواب الربا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فيقول الإمام الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار.
هذا الباب كما ذكر المصنف -رحمه الله- كالاستثناء، أو بعض مسائله كالاستثناء، وذلك أن الأدلة جاءت في تحريم الربا على اختلاف في تفصيله، ثم قد تكون الحاجة إلى نوع من الأنواع، فيأتي الشارع الحكيم فيرى المصلحة العامة، أو الحاجة إلى هذا الشيء، فيستثنيه بالدليل السابق، أو المقارن، أو اللاحق مما حرم.
وقد يكون التحريم سابقا ويأتي الاستثناء مما حرم بعد ذلك، وقد يكون الاستثناء سابقا ثم يأتي التحريم عاما، فيكون ما سبق مستثنى، وقد يكون مقارنا له، ومن ذلك هذه المسألة وهي مسالة العرايا، وهي مستثناة من أبواب الربا، كما أن الشارع الحكيم حرم الذهب على الرجال، حرم الذهب والحرير، واستثنى من الحرير مواضع يسيرة.