والعائد في هبته كالكلب يقيء فيرجع في قيئه، فكيف العائد في مثل هذا؟! فإنه أعظم من الهبة، بل هو أشبه بالصدقة.
والصدقة لا يجوز الرجوع فيها إجماعا، وكذلك الهدية لا يجوز الرجوع فيها على الصحيح، وهذا أيضا سبيله إما سبيل الصدقة، أو سبيل الهدية، ففي هذه الحالة لا ترجع، إلا لو فرض مثلا أنه هو كره ذلك ولم يرض بذلك، وأنفت نفسه من هذا، وقال: لا، لا أريد أن تدفع عني هذا المال، ولو علمت لم أرض بذلك. في هذه الحالة يهون الأمر، فلا بأس أن يأخذ هذا المال؛ لأنه لم يرجع فيه. ويقال أيضا: إن أخذ هذا المال وتصدق به كان أفضل، من باب إتمام وإمضاء القربة التي أرادها لله -. وعلى هذا أيضا -كما سبق- لا يأخذ هدية مقابل عمله ومقابل شفاعته.
حكم الرشوة
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: " لعن رسول الله - الراشي والمرتشي " رواه أبو داود والترمذي وصححه.
حديث عبد الله بن عمرو حديث جيد، وله شاهدان من حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي: " لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم " زاد: "في الحكم". هو حديث جيد، وعند أحمد من حديث ثوبان زاد: "الرائش". الرائش: هو الوسيط الذي يجرى بين الراشي والمرتشي. هذا أيضا رواية أحمد ضعيفة، لكن المعنى يدل عليها.
ولا شك أن الرائش -وهو الوسيط بينهما- حرام، لكن هل هو ملعون كما لعن هذان؟ موضع نظر، إن ثبتت هذه الرواية فيكون داخلا، ومن طريق أحمد هي ضعيفة، ولا شك أنه ساع في أمر محرم في التقريب بينهما، مثل إنسان يعرف إنسانا له حق من الحقوق، مثل إنسان أراد أن يرتشي ويريد أن يرشي أحدا، فقال: أنا أعرف لك فلانا. وتوسط بينهما، فانظر إلى هذه الوساطة السيئة المشئومة في الأمر المحرم.