والشرطان في البيع الصحيح أنهما ... المراد بالشرط العقد؛ لأن الشرط يطلق على العقد، فالشرطان المراد بهما العقدان اللذان يكونان في البيع، وهذا يكون في صورة العينة، وهو بيع مؤجل وبيع حال، ويقصد منه الربا.
دليل رابع في المسألة أيضا: ما جاء عن ابن عباس وعن أنس -رضي الله عنهما-، أنهما قالا في العينة: العينة مما حرم الله ورسوله. والصحابي وإذا قال: هذا مما حرم الله، أو مما حرم الله ورسوله. فإنه مرفوع حكما، فإنه مرفوع، لأنه في حكم المرفوع حكما وإن لم يكن مرفوع لفظا، فكأنه قال: قال رسول الله -.
وأيضا مما يدل على تحريمه أن الوسائل إلى المحرمات محرمة، والذرائع إلى المحرمات محرمة، والله - ورسوله -عليه الصلاة والسلام- لما حرم الربا في هذه النصوص كان ذريعة، والوسيلة إليه محرمة.
فكل طريق يوصل إلى الربا فإنه محرم، فمن أتى وأراد أن يستبيح الربا بأدنى الحيل، فإنه يشابه اليهود، كما في جاء في الحديث: " واستحلوا الربا بأدنى الحيل " وهذا واضح، ولهذا كما قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: أن المتعاقدين على عقد العينة يعلمون، والحاضرون يعلمون والله -سبحانه وتعالى- يعلم قبل ذلك، أنهما لم يريدا بذلك إلا الربا والتبايع عليه. فكان محرما، والحيل لا تجدي على أهلها شيئا، فالواجب هو الإقلاع من أمثال هذه البيوع المحرمة، إلا إذا كان -كما سبق- لم يكن حيلة، إنما باع هذه السلعة، وهو اشتراها بلا حيلة، فالأعمال بالنيات.
قبول الهدية مقابل الشفاعة
وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي - قال: " من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا " رواه أحمد وفي إسناده مقال.
الحديث من رواية القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، والقاسم قالوا: إنه إذا روى عنه ثقة فروايته جيدة. ولهذا حسن بعضهم هذا الخبر، وقال: إنه جيد وبه حجة على ما دل عليه، وانه -عليه الصلاة والسلام- قال: " من شفع شفاعة لأخيه فأهدي له هدية فقبلها، فقد أتي بابا عظيما من أبواب الربا ".
الشفاعة: هي التوسط للغير، أو هي بذل الخير للغير، يعني: أن يتوسط لغيره في أمر من الأمور يجلبه له، كما قال -سبحانه-: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (1) فالشفاعة الحسنة فيها أجر عظيم، إنما المراد: الشفاعة التي يراد بها وجه الله وتكون حسنة. ولهذا قال: " من شفع لأخيه شفاعة فأهدي له هدية فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا ".
سر هذا -والله أعلم- أن الشفاعة من المنافع والمصالح العامة التي يجب بذلها بلا مقابل، وهي تشبه ما يكون من زكاة البدن؛ لأن لك لأخيك عليك إذا كان لك جاه أو منصب، فاحتاج إلى شفاعتك، واحتاج إلى وساطتك في وظيفة، في عمل وفي أمر من الأمور مما يحتاجه، أو هو مستحق له، وبحق من حقوقه، وكنت قادرا على الشفاعة ولا ضرر عليك في ذلك -فإنك تشفع، وهذا من الحقوق العامة والمصالح العامة، وعلى هذا لا يجوز أن تأخذ على ذلك مالا، وهذا على أحوال:
حال أن تستأجر على ذلك، يقول لك: أريد أن تتوسط لي عند فلان المسئول، أعطيك ألف ريال. هذا لا يجوز؛ لأنه مؤاجرة على أمر مشروع وأمر واجب، والواجب لا يؤخذ له جزاء، ولهذا لما كان القرض من المنافع والمصالح العامة، وجب بذله مجانا، ولا يجوز أن تأخذ عليه شيئا، فإذا أقرضت أخاك المسلم، فإنك لا تأخذ إلا ماله، بل لا يجوز لك أن تتحرى منه، أو أن تنتظر منه أن يحسن إليك إحسانا لم يكن يحسنه إليك قبل.
وبعض الناس ربما طلب ذلك، والله أعلم ما في النفوس، وإن لم يظهر ذلك، ربما أحسن إلى أخيه بقرض، فإذا وجده مثلا فرآه لم يقدره ذاك التقدير الزائد على المعتاد، وجد في نفسه، وقال للناس: فلان لا يعرف المعروف ولا يحسنه. هذا لا يجوز، لا يجوز لك أن تطلب زيادة على أمر لم يبذل لك قبل ذلك، فإذا أردت مثلا أن يتبشبش لك، وأن يحسن لك، وأن يقدمك في صدر المجلس، أو ما أشبه ذلك، أو يحسن
(1) - سورة النساء آية: 85.