تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقالوا: "إن مفسر الاستطاعة وتكاليف الشريعة كلها، لا تجب إلا بالاستطاعة". ومع ذلك نص الله - على الحج خصوصًا بالاستطاعة، ولم يأت هذا في الصوم، أو في الصلاة، لكن -والله أعلم- كما قال بعض أهل العلم: "لأن الحج يحتاج إلى سفر في الغالب، ويحتاج إلى مكان وطعام وزاد؛ فلهذا يحتاج فيه إلى استطاعة خاصة، ومكنة خاصة، فنص على الاستطاعة، ثم بينها عليه الصلاة والسلام".

وهذا هو قول الجمهور: أنه لا بد من وجود المال، فإن لم يجد المال فلا حج عليه، وهو الزاد والراحلة.

وذهب مالك -رحمه الله- إلى أنه ليس بشرط، واستدل بالأدلة التي جاءت في الصحيحين، وفي غيرهما، وسيأتي بعضها، من أنه جاء ذلك الرجل -وفي بعضها جاءت تلك المرأة- وسأل فقال: إن فريضة الله أدركت أبي، وهو لا يستطيع، وهو شيخ كبير ولا يستطيع الركوب ولا الظعن. فأثبت عليه وجوب الحج، ولم يستفسر: هل يجد مالا، أو لا يجد مالا؟

فدل على وجوبه، وأنه يشد الرحل، وأنه يحج به إذا أمكن شده ولا يتضرر بذلك، لكن هذه الأخبار ليس فيها دليل للإمام مالك استدل به، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- أخبرهم لما قالوا: "إن فريضة الله". فهم قالوا: "إن فريضة الله". فهذا يدل على أن من سأل أدرك أن الحج وجب، عمن سأل عنه، إما لأن عنده مال، أو أنه يستطيع، أو أنه تبرع بالمال، تبرعت هذه المرأة بالمال، وأنها تريد أن تتبرع بالمال لأبيها فتحج عنه، أو توكل من يحج عنه.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن من تبرع عنه، وتبرع عنه ولده، فإن عليه أن يحج، ويجب عليه الحج؛ لأنه لا منة عليه في ذلك، بخلاف إذا كان المتبرع أجنبيًا فلا يجب؛ للمنة عليه بالجملة لا بد من الزاد، ولا بد من المال لكي يقصد إلى الحج، إلى بيت الله؛ لهذا الخبر، ولأنه لعموم الأدلة، من جهة أنه لا بد من الاستطاعة في التكاليف الشرعية، والحج خاصة، لا بد فيه من استطاعة خاصة، بخلاف وجود المال، بخلاف غيره من التكاليف الشرعية: الزاد والراحلة، فإذا وجد الزاد: وهو الطعام والشراب والراحلة والمركوب، وجب عليه الحج، فإن كان قادرًا ببدنه، وجب عليه أن يحج بنفسه، وإن وجد المال ولم يكن مستطيعًا ببدنه، لضعفه أو مرضه المستمر -فإنه يجب عليه الحج بغيره.

شرح البلوغ · الصفحة ١٤٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح البلوغص ١٤٦٠